الثلاثاء، مارس 20، 2012

الشهيد أحمد الفرحان...بقلمي..كما يسكن قلبي..






ملاحظة:هذه القصة حقيقية بكل ما تحويه من تفاصيل حول الشهيد وطريقة شهادته..إلا أنني أبداً لم أكن متواجدة هناك..بل حاولت من خلال كلماتي تقريب الواقع..لذلك، اقتضى التوضيح
............................
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف.
قصة الشهيد المظلوم أحمد فرحان
بطاقة الهوية:
الاسم:أحمد فرحان آل فرحان
البلدة:سترة - مهزّة
العمر :30 سنة
تاريخ الاستشهاد:الثلاثاء 15 مارس 2011
مكان الاستشهاد:سترة..
..............................................
"فقط في أوال ترقص الطيور تحت غمام من دم،وعلى أنغام رصاص عربيّ عالميّ...
هناك فقط..تدمّر الإنسانية..وتبدأ الجيوش بمبارزة الصدور العارية..
وأيضاَ..هناك فقط..طفلة..تجر ثوبها الطويل تركض وتتعثر بجثة(1)...!!!"
محطتي التالية كانت جزيرة تدعى سترة..وحين سألت عنها،قيل لي أنها إحدى جزر أرخبيل البحرين..وهي الثانية بين جزر البحرين في المساحة..وتقع في شرق المملكة..
وسمعت من أحدهم أنها سميت بـ"سترة"وذلك لأنه منذ سنين كان النخيل يسترها من كل جانب...!!!
ولكي أصل إلى سترة..كان علي أن أجتاز جسراً يصل جزيرة البحرين بشمال هذه الجزيرة..لم تكن المسافة طويلة كثيراً..
وفي سترة..مشيت كثيراً..وأثناء تجوالي لاحظت أن معظم الشوارع خالية من المارة...
ومضى بعضُ وقتٍ قبل أن أرى عدة شبّانٍ يسيرون،كانوا يتحدثون عن استعدادهم للاستشهاد كي يبقى لدى أهل البحرين الكرامة..ومن خلال حديثهم فهمت أنهم ذاهبون إلى تظاهرة..وسمعت أحدهم يقول بأنه اغتسل غسل الشهادة،وودع عائلته،لأنه قد لا يعود..ابتسمت لهذه الشجاعة التي تدفع إنساناً ليذهب إلى مكان هو يعلم أن عودته سالماً منه،صعبة...!!
لكن هؤلاء هم أحفاد الإمام الحسين،الذي كان يعلم،أن السيوف المرفوعة بوجهه،والسهام المصوبة نحوه،هي كلها لقتله وقتل عائلته،لكنه كان يدرك أن موته سوف يحي الدين،والشعوب..فلم يهب أبداً..وبقي صامداً..فكانت له الشهادة..
وصلت إلى مكان التظاهرة،كان منظرهم جميل جداً،ذكرني بمشاهد بقيت عالقة في ذهني عن أحداث دوار اللؤلؤة..فإصرار الشباب ذاته..واندفاعهم واحد..
يهتفون بكل عزم...
"الشعب يريد إسقاط النظام.."
"أريد حقي بالحياة.."
أحسست بشعور لا أدري كيف أصفه..
القوة...أصوات الرجولة ترتفع..وصدور عارية تواجه الدبابات والرصاص..
دمعت عيناي...وقلبي ينتفض..أصرخ معهم..
شجاعتهم غريبة...
وبأسهم عجيب...

في هذه الأثناء علا صوت مزق جدار السماء...يهتف بإصرار وثبات...

"نحن بركانُ تفجر..صارخاً الله أكبر.."
الله أكبر....الله أكبر..يا لهذه الكلمة كم هزت من عروشِ طغاةٍ عبر الزمن...
حاملين لافتات تندد بالظلم...وتطالب بحقهم المشروع في الحياة...
أجمل شعار قرأته كان:
"إن الطريق مظلم وحالك فإذا لم نحترق أنا وأنت فمن سينير الطريق !! "
صح لسان من قال هذه الجملة،فلو لا التضحية لما كان النصر..
كنت لا أزال غارقة في شعور رائع من الفخر..حين أجفلني صوت الرصاص...آهٍ لقلبي المسكين كم انتفض يومها من الفزع...غبار عم الأرجاء..ودخان كثيف..ومع ارتفاع أصوات الرصاص كانت أصوات الشباب ترتفع صارخة"سلميّة...سلميّة..."
استغربت من الشباب، على الرغم من أن لا شيء يردعهم عن الدفاع عن أنفسهم حيث أن جميع القوانين والدول تشرع للإنسان أن يدافع عن نفسه بأية وسيلة يشاء..إلا أنهم ظلوا على عهدهم بسلمية التحرك .. ؟؟

ووقف شباب..يصرخون أمام الجنود المدرعين بالرصاص...

"أنا الشهيد التالي.."
فهم أحفاد الإمام الذي قال:
"أبالموت تهددني يا ابن الطلقاء..إن الموت لنا عادة..وكرامتنا من الله الشهادة.."
لكن هؤلاء الجنود الذين يقال لهم "الشرطة"التي وجدت في الأساس لحماية الشعب..كانت هنا تقتل الشعب..شباب يركضون..ورجال يجرون بأقصى سرعتهم محاولين الهرب من الرصاص الحي الذي يطلق عليهم...كنت لا أزال واقفة مكاني..مشدوهة بما يحصل..حين قررت الجري معهم..
وأنا أركض كانت دموعي تجري بشدة،وتعيق علي الرؤية....
فأمسحها..لأعيد الجري..فشاب يقع أرضاً مغشياً عليه بسبب الغاز المسيل للدموع الذي تنشقه..
وآخر يضع يده على بطنه..لأرى الدماء تتسلل من بين أصابعه..
مررت بقرب جريح يحاول أن يساعد جريح آخر...كان مشهداً لا يوصف..
وكلما مررت كنت أرى أشخاصاً تسقط أرضاً..وآخرين يتألمون...حتى ما بقي أحد تواجد هناك في ذلك اليوم، إن لم يختنق فقد مهر جسده بالجراح..
وفجأة..كنت لا أزل في نفس المكان ولم أبتعد كثيراً...حين توقفت قدماي عن المسير..وشلت أطرافي..وتوقفت عن التنفس...
لروع المنظر...ضربت وجهي كي أجبر نفسي على التنفس من جديد كي لا أموت أيضاً هنا...
أعذروني لاضطرابي..فالمنظر مؤلم..ولو وجدت في قاموسي المتواضع كلمة أشد إيلاماً من "مؤلم" لوضعت...
وقع مقابلي أرضاً...كان يسير أمامي مباشرة...حين سمعت صرخته المدوية...وصوت ارتطام جسده بالأرض...
رأيت رأسه يغرق في بحيرة دماء..وسمعت أحدهم يناديه..أحمد..يا أحمد..
لكني رأيت عيون أحمدٍ أغلقت..وشفتاه افترت عن ابتسامة كأنه يهزأ ممن صوب نحوه الرصاص..
ويقول له..تبوأ مقعدك في النار.. فسيدتنا فاطمة عليها السلام وقبل شهادتها كان أمير المؤمنين يبكي..فمسحت الدموع التي انهمرت من عينيه ومسحت بها وجهها وصدرها..وحين سألها الإمام علي عمّا تصنع قالت عليها السلام:بأن النار ليس تمس جسما انهمرت عليه دموع المظلوم..
وأنا هنا مظلوم...
وغدا يا قاتلي سوف نقف معاً يوم الحساب..
لأقول يا رب هذا فجر رأسي..هذا أبكى أمي..هذا أدمى قلب أختي..وهذا قطع قلبي أبي..
لتجيبني العدالة الإلهية إن للظالمين عذاب شديد..
وأنا موعود أن قاتلي سوف يصطلي بنار جهنم..
يا إلهي..يا رب العالمين..كم كان منظراً قاسياً..ليس فقط علي بل على كل من رآه...
سوف أعتذر ممن سيقرأ الآتي لأنه قاسٍ جداً..لكن يجب أن أقوله ولو بغصة...
من أول ما رأيته علمت أنه استشهد...
رأسُ مفتوح..ودماغٌ يتدلى خارجاً...يا له من مشهد مؤلم..حتى نفسي لا أستطيع أن أصفه...
وجسد مطروح أرضاً.حوله أناس مذهولة لا تعرف ماذا تصنع..
أشخاصٌ تنظر لعينان كانتا منذ وقتٍ قصيرِ تبادلهما الأنظار..ولكنها الآن أغمضت للأبد..
تنظر لرأس هشم الحقد عظامه...فرمى بدماغهِ خارجاً....
وسط هذا الذهول..تدخل أحدهم..وحمل "أحمد" نحو المستشفى..
كلما تحرك حامل الجسد..كانت بقايا دماغه تتناثر أرضاً..وأجزاء رأسه تتدلى خارجاً..
وصلوا به إلى المستشفى...بالطبع نحو الطوارئ حيث أن الأطباء الموجودين هناك هم مستعدون لاستقبال الحالات الخطيرة..ولكنهم أبداً لم يكونوا مستعدين لاستقبال حالة بهذه الفظاعة...
عند باب المستشفى..كان الصريخ..كان صريخ الأطباء والأشخاص الذين أتوا للعلاج..أو حتى من أتى عارضاً المساعدة على الأفراد..كان مشهداً لا يمكن لي أن أعود لتذكره من دون البكاء..من دون من أن يقشعر بدني لذلك المشهد الأليم..
كان هناك جلبة كبيرة...فالعشرات جاؤوا بهم إلى هنا...
هنا جريح يتلوى من الألم..يجلس أرضاً منتظراً دوره في العلاج..فقد وصل من حاله محرجُ أكثر منه...
وهناك شاب يجلسونه على السرير..وأرى تعابير الألم على وجهه..وهو يحاول التنفس بصعوبة..فبين كل نفس وآخر يكبت صرخة ألم تتفجر داخله..وهم ينتشلون بقايا الشوزن السلاح المحرم دولياً من جسده..ويصرخ "انتظروا قليلاً"ليمهلوه وقتاً ليلتقط أنفاسه..ليعودوا لاستخراج بقايا السلاح من جسده.
هل رأيتم من قبل مشهداً اكثر إيلاماً من هذا..سوف أخبركم عنه..
يجلسون الجريح المتألم على السرير الذي كان قبل وصوله بلحظات ذو غطاء أبيض..لكن لونه الآن تغير ليصبح أحمر...
يحضرون أدوات معقمة..وآلة حادة رفيعة..لينتشلوا من كل مكان في جسده بقايا الشوزن..
هذا السلاح محرم دولياً نظراً للضرر الكبير الذي يتركه في جسد المصاب به..ومعظم من يصابون به يقتلون لأنه يخترق رآهم وقلبهم..
هذا الرصاص ينتشر أجزاء على جسد الجريح..فلن يبقى مكان في ظهره أو صدره إلا فيه شظايا..
مؤلم هذا المنظر الذي كلما تلفت رأيت مثله..فقد استعملته الشرطة كثيراً...
كان عدد المصابين هائل جداً..أكبر من قدرة المستشفى على الاحتمال..حتى لم يبقى أماكن وأسرة فارغة..فوضع الأطباء فرشاً في ساحة المركز الصحي كي يعوضوا ولو القليل من النقص..
كنت لا أزال أسير خلف أحمد الذي أحضروه..
"غرفة الإنعاش.."
وعلى بعد مترين من السرير..انتبهت لنفسي..أشهق شهقة كادت تودي بحياتي..وأغلق عيوني ألماً..أغلقها لكن صورة انطبعت في ذهني بقسوة...أغمضت عيوني..وضربت رأسي ليستفرغ تلك الصورة المؤلمة...لأعود وأفتحها بعد أن علا صوت صراخ..
الصرخات ما كانت صرخات أمٍ ثكلى..ولا أب مفجوع ولا أخت تندب شباب أخيها...
بل كان صراخ أطباء..أعيتهم تلك المناظر المؤلمة...
..لهول المنظر..
أجهش الطاقم الطبي بالبكاء..حين أحضروا جسده إلى غرفة الإنعاش..رأسه مفتوح..وبقايا دماغه ألحقت به بعد فترة..
أكانوا حقاً عندهم أمل في أن تعود لهم يا أحمد..؟؟فأنا أرى أنكَ أنتَ من أردت المغادرة..فقد جافت نفسك هذه الحياة الخائنة...
منذ التسعينات..ودمه لا زال يفور،ولم يهدأ..لم تردعه سنين الاعتقال الثلاث في سجن "الحوض الجاف"..ولا تلك التهم الملفقة بإحراق مخازن..
ولم تخفف من عزيمته آلام التعذيب..ورهبة السجون..بل بقي مندفعاً ليحامي عن حقه المشروع،في أن يعيش..
في كل الأعراف..والقوانين والدساتير حق الإنسان الطبيعي هو أن يعيش أقله بحرية في بلده..لكن في بلد أحمد..من يريد أن يعيش حياته الطبيعية..عليه أن يجاهد طويلاً..وطويلاً جداً..وفي مسيرته نحو تحصيل حقه المشروع..قد لا يعود..أو لنقل قد يعود.لكن...جسداً محملاً في نعشٍ..
..إنه من لأجله تبكي ملائكة الرحمة..إنه أحمد..ذلك الجسد المرسوم فوقه علامات الظلم..وذلك الصوت الذي ما برح يصرخ..فليسقط الظلم. وعلى مر السنوات حاول ذلك الظلم أن يخرس أحمد..لكنه ما استطاع إلا بعد أن فجر رأسه برصاصة..أردته شهيداً..
.............................
وككل المناسبات التي تسجل فيها الأرقام دولياً..حصل أن كان أحمد..رقماً مسجلاً في عداد الشهداء..
رقم تسعة....هذا هو الرقم الذي حملته يا أحمد من دون أن تدري..فقد أصبح رقمك تسعة بعد ذهابكَ..!!!
هو الشهيد التاسع من شهداء ثورة الرابع عشر من فبراير..
وبعد أن خاطوا جراحات رأسه بصعوبة..وحاولوا إيقاف الدم النازف من جسدهٍ بسبب رصاص الشوزن..
جاءت أخته..جاءت تلك الفتاة التي كانت تبحث عن أخيها..لا تبحث عن جسدٍ مثقوب ولا رأسٍ مفتوح..فقط عن أخٍ..عن من كان سندها..عن حضنٍ دافئٍ..وعينان تنبضان بالحب..
وبالرغم من رفض الممرضات لها أن ترى أخيها..ولكن صرخاتها المفجوعة رقت لأجلها قلوبهم..فسمحو لها..مع أنها كانت لا تقوى على الوقوف..
كنت أرقبها بصمت مطبق..إلى أن رفعت الغطاء عن وجهه..وصرخت..!!
لا يمكنني نسيان ذاك الشاب الذي جاء معها..لا أدري من هو..ولكنه ما توقف عن مناداته..أحمد...أحمد..يا أحمد..!!!
لكن أحمداً لم يجب..
ولا زال يناديه أحمد...!!
هل حقاً كان يتوقع أن يجيبه أحمد..؟؟!!
لا أدري ربما كان عنده أملٌ في أن يعود أحمد إلى هذه الحياة...
ربما كان يتأمل أن يعود أحمد إلى أقرباءه وأحباءه..
أحمد عاد حقاً...ولكن روحاً تلامس جفونهم الدامعة..وتمسح عنها الألم..
وتدعوهم إلى عدم البكاء لأنه يعيش أفضل بكثير مما كان يعيشه في غرفته الخشبية..
لم يقطع تفكيري غير أنّاتها...غير بكاءها..وحتى صراخها.
لن أنسى ذلك الرجل الذي جاء من الخارج..لم يستطع تحمل المنظر..ضرب على رأسه صارخاً"الله عليك يا حَمَدْ"وخرج من المشرحة من غير وعي يبكي ويصرخ..
وقد كتم صرخاته ليطلقها بعيداً عن عيني أخت احمدٍ كي لا يزيد ألماً فوق ألمها الذي لا يقاس.
وأبداً لم تذهب من ذاكرتي كلماتها..ما توقفت عن ترديد"اشفع لي..اشفع لي."
وتلك الممرضة..تضع يداً على كتف أخته تواسيها به..ويداً أخرى تضرب بها رأسها فجعاً..وتصرخ"الله أكبر..الله أكبر.."
الله أكبر على الظالمين..الله أكبر على المعتدين..الله أكبر على كل من أسال قطرة دمٍ من جسد مظلوم.
تشد له ملابسه..تلك الملطخة بالدماء..تشدها وتقول "أنظروا..أنظروا.." وتبكي بألم شديد...وتصرخ وتشده وهي لا تقوى على التعبير..
وبعد أن أعيا الممرضين البكاء والصراخ..ولم يعد باستطاعتهم تحمل رؤيتها تناجي أخاها مفصوخ الرأس..الملطخ بالدماء..
نادوها أن كفاكِ....أرادوا إخراجها من الغرفة..
ولا زالت نظراتها حائرة..متقلبة في ذلك الجسد..حاولت أن تكشف الغطاء عن قدميه..لكنهم نهروها..أن لا تتفحص جسده..
ربما أرادوا لها أن لا ترى تلك الرصاصات التي ما اكتفت بتشويه رأسه..بل عمدت إلى ثقب جسده بحقدها..!!
فصرخت بهم.."قبلة الوداع..قبلة الوداع.."
"يا خوي يا خلف جبدي..مع السلامة سامحني" بهذه الكلمات ودعت أخيها..وشدوها خارجاً وهي تصرخ.."فاز أخوي فاز.."


أخذوه نحو المغسل...وهناك كان الأقسى..كيف سوف يغسلونه..والدماء لا تزال تنزف من رأسه.!!!

هل رأى أحدكم جسد أحمد...
لن أدعوكم لرؤية رأسه..فلن يمكنكم تحمل المنظر..
لكن جسده كان مرقعاً بالجروح من أثر السلاح الذي خط رسوم ظلم جديدة فوق تلك العلامات القديمة..تلك النقاط التي ثقبت ظهره..وأسالت دماءه..كانت قاسية بحق.إنه الشوزن أكثر الأسلحة ضرراً..
"على مهلك ياللي تغسل , على مهلك على راسه
تحاذر تجس جرحه , تحاذر تجرح احساسه
بعدها تألمه جروحه , فداه امه و فداه ناسه
تمهل لا تعصب الراس , و بالجفن لا تشده
راسه بالرصاص انصاب و جرحه ما خمد بعده
عساه الموت ماخذني , واحمد يا رب ترده
و لا اشوفنه هالدفان , عليه هال تربانه
أياريت اندفن سبعين , ولا يندفن جثمانه
ولا يتركني وحيده , و عليه الروح حزنانه ..
أحمد يا بعد امك , عليك الهادي جاوبني
ترا جرحك يا بعد الروح صايبني و ذابحني
أحلفك يبني بالبحرين , اللي لخاطرها عايفني
عوف المغتسل يا زين , و للموت لا تخضع
أحمد قوم يا بعد الروح للبحرين ولي أرجع
لا تقول الأجل أرداك و صوتك فلا أسمع
على مهلك ياللي تغسل على مهلك على الراس
بعده شباب وليدي و ما خلوه هالانجاس
...............................
وفي ظهر اليوم التالي..كان التشيع..
قبل وضعه في النعش..بعد أن لفوه بالكفن الأبيض..علت الهتافات في الغرفة..بأنهم سوف يثأرون للشهيد..وأن دماءه لن تذهب هباءً..وحالة من الغضب الشديد انتقلت إلى كل من كان من الغرفة..فارتفعت أياديهم وقبضاتهم تلعن الظلم والظالم..
أيادٍ ارتفعت لتحمل النعش..الملفوف بعلم الوطن الأحمر..والأبيض.!!كان علم البحرين يوماً يرمز إلى السلام..والحب..ولكن أبى جلاوزة النظام إلا تحويله ليصبح يرمز إلى الدماء والأكفان..
أيادٍ تتدافع لتلمس النعش المحمول فوق الأكف..علّ بركات الشهيد ..المظلوم..المغدور..تطالهم..
وإلى مثواه الأخير انطلقوا...
وطوال الطريق يرددون:
"هذا الشهيد نعيفه..هيهات يا خليفه.."
وعدُ بأنهم لن ينسوا يوماً شهيداً سقط..ليحيوا هم..ولو حاول العالم أن ينسيهم إياه..
وقرب قبره الطاهر...تشعر بالفخر بهذا البطل..الذي رحل وقد تحمل مرارة الفقر والبؤس الذي لم يمكنه من الزواج لينجب طفلاً يحمل اسمه...لكأني به يقول:
لِّثَرَاك دِمَائِي يَا وَطَنِي تَضْحِيَة ووَفِدَاء
وَالْعلَم الْاحْمَر ذَا كَفَنِي كَان وِشَاح وَلَاء
مُرْتَزِق جَاء لِيَقْتُلَنِي وَالَى الْسَّلَم اسَاء

عندما أنهيت قراءة الفاتحة على قبره..عدت إلى منزله..لأسلم

على أهله..

هل رأى أحدكم صوراً لمنزل أهل أحمد.؟؟أنا أدعوكم للاطلاع عليها..فالإنترنت تحوي صوراً لبيتٍ خشبي وحبائل غسيل عليها ثياب قديمة..تحكي عن حال أصحابها..باب يشار إلى أنه يؤدي إلى غرفة أحمد..بقيت أتأمل تلك الغرفة..غرفة أحمد؟؟؟أي غرفة وشكلها لا يوحي بشيء؟..قطع خشب مصفوفة لتكون جدران..وقطع ألمنيوم وضعت فوقها في ما يسمى سقف..!!وأصبح هذا الشيء يدعى منزلاً.؟؟ منزلٌ نصفه آيل للسقوط..!! غرفة لا تقي حراً..ولا تدفع برداً..ولا تمنع مطراً..!!

حقيقة لم يبكيني الشهيد احمد عندما تفجر رأسه بقدر ما أبكاني رؤية المكان الذي كان يعيش فيه...

ويسألون لماذا الثورة ؟ الشهيد أحمد أحد الثوار والشهداء

عاش في ما يسمى بمصطلحه غرفة...ولكن عندي لم أجد لهذا المكان اسمُ..كيف يعيش هذا الشاب في هكذا غرفة...!!
اعذروني فلم أعد أجد كلماتي...فقد أضعتها بين سيل دموعي..
ولا زالوا يستنكرون لما خرجت يا أحمد لتطالب بحقك في الحياة..غريب أمر هؤلاء الناس..!!!
ولا زالوا يقولون أنهم بلد نفطي...يقدم الرفاه لأبنائه..يا لهذا الرفاه.يا لهذه التقديمات التي تدعكَ تعيش في غرفة من خشب!!!!!
بكيت كثيراً للظلم الذي تعرض له الشهيد أحمد..بكيت لرأسه المفتوح..لأمه الثكلى..لأخته التي ما توقفت عن القول "أخوي فاز..أخوي فاز" ..
وأثناء بحثي على الانترنت...شاهدت فيديو يتحدث أن قناة "س إن إن" كانت قد اعدت تقريراً في العام 2007 عن الفقر في البحرين..وفي الفيديو ظهرت أسرة الشهيد أحمد..تتحدث عن الفقر...
فهل هي صدفة..أم القدر...؟؟لكني لا أظن أنها الصدفة..بل هذا أكبر دليل على أن هناك الكثير من الشعب البحريني يعاني من الفقر...
وليلاً خرجت سترة..لتزف شهيدها الذي لم تشهد له عرساً دنيوياً..فكان له عرسٌ في السماء..خرجت سترة..بنساءها..أطفالها..شبابها وشيوخها..ليزفوا العريس إلى الحور العين..
"عاهدناك عاهدناك .. يا شهيد ما ننساك
علقت شموع بمصابك ..
تضوي جروح بغيابك ..
شموع الـ ما تفرحك ..
حتماً تألمك !
نشف قلبي .. و بقيت إنته..بـ قلب أمك !"
حاملين الشموع..وفي ظلمة الليلة...يرددون ما لكلماته تهطل الدموع..كلمات ورثها الأبناء في البحرين عن أجدادهم..كلمات لا زالت تردد في كل يوم عاشوراء..
كلمات..يصف بها الشاعر الذي كتبها حال القاسم..ابن الإمام الحسن عليه السلام الذي قتل في رمضاء كربلاء..وهو لم يبلغ الحلم..
كيف أن أمّه..كما كل الأمهات..تتمنى أن تراه عريساً تزفه بفرح..لكن لم يتسنى لها هذا..فقد خُضِّبَ بالدماء..ورحلَ شهيداً إلى ربه..
تخطر في بالي هذه الأفكار..وأنا أسمع هذه الجمل...فأم الشهيد أحمد،لم يكتب لها أن ترى ابنها عريساً يزف..لتفرح بعد سنوات بأطفاله يحوطونها...

"يمه ذكريني من تمر زفة شباب..

من العرس محروم وحنتي دم المصاب ..
شمعة شبابي من يطفوها..!!
حنتي دمي والكفن ذار التراب...
من ثدي النيبا راضع بصافي الحليب
وبهالشهادة صار الي قسمة ونصيب

يوم المبارك أصبح لديني شهيد

وافزع لعمي من يظل بالطف وحيد

اهلي وصوني بالوفا يوم الطفوف

ومن دم وريدي يصبح خضاب الجفوف
هذي وصيتي يا التسمعوها
رملة بمصابي خل يفجعوها
نيتي بديوان جدي كتبوها
حنتي دمي والجفن ذار التراب..."
أسمع صوت الشباب الذين يرددون هذه الجمل..وقد اخترق صوتهم حشرجة دموع..وآهاتٍ يطلقونها بأسى على الطريقة البشعة التي رحل بها الشهيد عن هذه الدنيا.
قلبي يردد هذه الكلمات..وقد لفح وجهي المبلل بالدموع هواء الليل البارد..ليقشعر بدني..وأغلق عيناي على ذلك المشهد الأليم..وأفتحه على هذا المشهد الذي يفتخر به كل ذي عزة..
مئات من النساء والأطفال...عوضاً عن الرجال والشباب..يسيرون ليلاً حاملين شموع الوفاء للشهداء الأبرار..الذي قدموا دمهم فداء لتراب البحرين...
أسير مبتعدة،ولا زال صدى كلمات والد الشهيد أحمد تتردد في ذهني..
"اشكره على هذا الي سواه...رفع راسنا ورفع شعب البحرين كامل بأكمله .. الحمدلله رب العالمين انه عند الحسين جده وامه وابيه واخيه والمعصومين كامل وياه .. ان شاء الله مع المحفوظين..الحمدلله اشكرك يا ربي على هذه النعمة . نشكركم على هذه المعاملة الطيبة.(2)

وتشعرني بالفخر،بأنه هناك نماذج من أهل الصمود في عالمنا،مثل أهل الشهداء..وسوف أقول،أنه ولو بكينا على الشهيد،فليعلم العالم أننا لا نبكي لأنه توفي.. فلعل أهل الشهيد يبكون حالهم في لحظات فقدهم الحبيب والغالي ولا يبكون الشهيد، فلا مبرر للبكاء على من تحسنت أحواله وإرتاح باله، ولا مبرر للبكاء على من ترك دار الفناء وإلتحق بدار البقاء، وترك دار الّمَمرِّ وسكن في دار المَقرّ،

وشخصياً..حين أبكي..أبكي على فقدي إياه..أبكي اشتياقاً للأيام التي كان فيها يزين هذه الدنيا بوجوده الطاهر فيها..أبكي على حالي أين بقيت..ويما تعقلت في هذه الدنيا..وهم..أين ذهبوا..وماذا أصبحت حالهم...حيث النعيم..وحيث لا ظلم..ولا حزن..بل فرح..وسعادة..سرمديان.

.............
جسد الشهيد أحمد فرحان وقد ثقبته آلة الغدر الخليفية..!!













حالة الغضب التي اجتاحت المغسلين للشهيد 

 











لحظة إغلاق عيون الشهيد أحمد فرحان

 













.........................................
 
 1-من مقال للكاتب حسين المتروك..بتصرف
2-انتشرت على الإنترنت فيديوهات تظهر والد الشهيد وهويتحدث عن ابنه وهذه الكلمات مقتبسة من كلماته-وقد تكون بعض الكلمات التي أوردتها في قصتي مختلفة قليلاً عن التي ظهرت في الفيديو..وذلك لأني لم أستطع فهم بالتحديد اللهجة التي كان يتكلم بها والد الشهيد...
عبد المنعم منصور وهو حامل الشهيد أحمد فرحان اعتقل بسبب حمله للشهيد،وحوكم سنة كاملة وأطلق سراحه قبل عدة أيام من ذكرى السنوية الأولى لشهادة الشهيد أحمد فرحان..فله الحرية والعزة والشرف..

................

~ انتهى ~
فاطمة زبيب
‏09‏/04‏/2011‏ السبت..
04:50