السبت، مايو 12، 2012

ورود الدار وحيدة









بسم الله رحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف..


.....................


بطاقة الهوية:


الإسم:عبد الكريم علي أحمد فخراوي..


تاريخ الميلاد:20-1-1962


المهنة:رجل أعمال


تاريخ الاستشهاد:11 أبريل 2011


طريقة الاستشهاد:تعذيباً في السجون الخليفية..مع ادعاء السلطات أنه قضى بسبب الفشل الكلوي..!


..............................................


بحرين...وطنٌ تلطخت أرضه بدماء أبنائه..


وطنٌ..اكتظت سجونه بأبطاله..


وطنٌ..سقت صحراءه دموع أيتامه..


وطنٌ.ملأت جدرانه صرخات سكانه..


.........................................


من ذلك السجن..ومن خلف تلك الجدران الباردة..أتت قصتي..


من دموع أطفالٍ..وشجاعة أرملة..صغت كلماتي...


بخيوط من دماء نسجت عباراتي..


وصرخات مكبوتة..تنزف دموعها بين أسطري..


...............................


البرد هنا شديد..وأنا لوحدي مع أقلامي ودفاتري..


وصوره..صور ذلك البطل الذي ذهب إلى الموت بقدميه..


صور ابتسامته..وضحكته المحببة جداً...


وكنت لا أزال أبحث بين الصور..


حين باغتتني تلك الصورة الأليمة..


حيث أصبح لجسده لون آخر..


واختفت ضحكته خلف تعابير الألم...


وأغمضت عيناه للأبد..!!!!


وانمحت صورته التي تزرع في القلوب السعادة..


لتأتي تلك الصورة التي تملأ القلب ألماً..وتذرف دموع العين...


كان أهله خارج المنزل...حين اقتحم البلطجية الدار وعبثوا فيها..


لم يدعوا شيئاً مكانه..


وَعَدَ زوجته بأنه سوف يصلح لها كل شيء..


كان مرتاحاً..هادئاً على عكس عائلته..هدأ روعهم قائلاً: اهدؤوا فأنا لست خائفاً..بل ما يسعدني أنهم اقتحموا المنزل في غيابكم...


رغم كل شيء..كان همه فقط..أن لا يشعر أطفاله بالخوف والرعب...


ودّع بناته الثلاثة...


ابتسم..


وغادر...نحو مصيره المجهول..


نحو مركز الشرطة..


......................


لأول مرة لن تبدأ قصتي من البحرين، لن تبدأ من الأرض، بل ستنسج لحظاتها الاولى في السماء..يد ترتفع نحو العلياء،وقلب طاهر نقي ، وعينان تفيضان دمعا .. حبا .. وعشقا لله، وشفاه ترتل الدعاء بحضرة المعصوم"اللهم ارزقني الشهادة"..


بطل قصتي هذه المرة بطل استثنائي، إنسان لم يعش يوما في بلد واحد أو مكان واحد، بل عاش في بلدان وأماكن شتى في آن واحد!!! كيف ذلك؟ لأنه كان يعيش في قلوب محبيه الكثيرين!!!


..........................


"إلى متى سيتسمر الوضع بهذا الشكل يا أبتي؟؟لقد تعبنا!!"


ابتسم عبد الكريم، وقال بصوته الآمن:


الصبر جميل، سننتصر ولكن بعد تقديم المزيد من التضحيات..!!!


....................


منذ صغره كان يحب القراءة والأدب، دخل باكراً معترك الحياة العملية بالعمل مع والده وإخوته، لكنه أبداً لم يترك مقاعد الدراسة الجامعية..


وفي العام 1984 أسس أول مكتبة ثقافية، باسم مكتبة فخراوي..حيث طورها إلى دار نشر وترجمة وتوزيع..وانطلق في مجال الدراسات البحثية ورعاية الإعمال والفعاليات الثقافية..وانطلقت المكتبة من بيع الكتب إلى توزيعها وطباعتها وترجمتها في نهاية 1999.


انطلاقاً من شعاره(ثقافة القراءة)اجتهد فخراوي وراهن على التقدّم وكانت له مشاركات واضحة وفعالة في معارض الكتاب الدولية التي تقام في البحرين وخارجها[1]. لم يقتصر اهتمامه على الكتب الدينيّة ومؤلفات المحافظين، بل نوّع في المجالات وفتحَ قسماً خاصاً بالأطفال. الشهيد فخراوي كان له دور بارز في تأسيس (جريدة الوسط) , حيث كان من أول المساهمين الذين عملوا بجهد وساهموا في إبراز تلك الجريدة اليومية السياسية المستقلة.


كريم فخراوي هو صاحب شركة ( مقاولات فخراوي )، التي تعد من شركات المرتبة الأولى في هذا المجال, حيث عمل في عدة مشاريع من أهمها بناء مشروع السفارة العراقية وبيت السفير اللذين أشرفا على الإنتهاء، وكان قد فاز بمناقصة بناء السفارة القطرية في البحرين قبل إستشهاده بفترة قصيرة .


....................


كم نشرت كتباً يا عبد الكريم..ولكنك بالتأكيد..ما ظننت يوماً أن الكتب سوف تكتب عنك أنت..


عن علمك..وانفتاحك..


سوف تذكر أنه في هذا العالم..وجد يوماً أبٌ حنون..أبٌ لعشرات الأبناء..لم يكونوا من صلبه..


لم يعرفوه ربما إلا بعد ارتحاله..


لكنهم بكوه..!! بكوه ...


وهو ينظر إليهم من السماء.


يطلب منهم مسح الدموع..


صحيح أن التعذيب آلمه...ولكن هذا الألم..جعله من الشهداء..الذين ينعمون في الأعلى.


....................


الزمان: مساء يوم السبت الموافق الثاني من شهر أبريل لسنة 2011


المكان:منزل ابنة الشهيد القريب من منزله ، قرية كرباباد.


في ذلك المساء..ذهب الشهيد وزوجته وطفلتاه في زيارة عادية لمنزل ابنته..الجو لطيف، لا برد ولا حر شديد..


تبدأ القصة من اتصال مفاجئ..!!!


عند الساعة الحادية عشر والنصف مساءً رن هاتف الشهيد..وبان التعجب عليه...حيث كان الاتصال من رقم منزله..على الرغم من خلو المنزل في ذلك الوقت من أي أحد..


واتضح أنه كان جهاز الإنذار..


وبعد وقت قليل،اتصل الجيران ليسألوا إن كانت العائلة بخير،حيث أن المنزل محاط بعددٍ كبير من سيارات وقوات الأمن..وأصوات التكسير تتعالى في المنطقة..


في هذه الأثناء أحست فاطمة ابنة الشهيد بحركة غير اعتيادية خارج المنزل،وما إن ذهبت لتتفقد الأمر حتى رأت سيارات الأمن تحاصر المنطقة..


كان يخيم على المنزل الخوف والترقب ...ما عدا عبد الكريم..الذي كان هادئاً..وأكد أن لا علاقة له بأي شيء..وقرر أن يذهب في الصباح لمركز الشرطة ويستطلع سبب اقتحام منزله..


جلس الشهيد يوصي أهله..ويهدئ من روعهم..خصوصاً أن للشهيد طفلتان واحدة عمرها 13 والثانية 9 سنوات.


وبعد ذهاب الجميع للنوم..فرش عبد الكريم سجادة الصلاة..وتوجه لله تعالى متضرعاً..


صلى صلاة الليل..حتى حان موعد صلاة الفجر فأداها..


أشرقت الشمس في صباح يوم الأحد الموافق للثالث من شهر أبريل..وقد عزم عبد الكريم على الذهاب لمركز الشرطة لتقديم بلاغ باقتحام منزله.. ودع أهله...واصطحبه السائق(قبل ذهاب الشهيد لمركز الشرطة اتصل بمحاميه واستشاره)


لم تمض أكثر من نصف ساعة وإذا بعبد الكريم يطرق باب المنزل عائداً..فرحت أسرته بعودته..واستفسرت منه عن ما جرى.. فأخبرها أنه حين وصل إلى هناك. قال للشرطة أنه يرغب في تقديم بلاغ باقتحام منزله،فسأله الشرطي:هل تتهم رجال الأمن؟ فرد الشهيد:جئت إلى هنا لأني أجهل سبب اقتحام منزلي..فمهما كان السبب فأنا موجود هنا..فأخبره الشرطي أنه بإمكانه الانتظار أو الذهاب والعودة لأنهم بحاجة الى نصف ساعة لإجراء بعض الاتصالات..فآثر العودة بعد نصف ساعة..


وعاد إلى منزل ابنته ، وحكى لهم ما حصل..ومن ثم عاد إلى مركز الشرطة مرة ثانية..


وقبل ذهابه..وعندما ودع عائلته..كان هو..وهم..متفائلين بعودته..


ولكن للأسف الشديد..ذهب عبد الكريم..ذهب ولم يعد..!!!


بعد انقضاء ساعتين..رجع السائق والدموع تملأ عينيه..وأخبر أسرة الشهيد أنه بعد انتظار دام أكثر من ساعة..أتت سيارة أمن من خارج المركز، سرعان ما ترجّل منها أفرادٌ مقنّعون ..فكبلوا يدي عبد الكريم..وأمروا السائق بالذهاب، فيما ذهبوا هم وأخذوا عبد الكريم معهم..


في عصر ذلك اليوم..أخذت ابنة الشهيد آلة التصوير وذهبت إلى المنزل لتقوم بتوثيق ما فعلوه بالمنزل بعد اقتحامهم له قبل ليلة..


حيث كان المنزل مقلوباً رأساً على عقب،كل شيء محطم.


الأمر المدهش أكثر تكسيرهم للتربة الحسينية..


حيث أنه كان هناك كمية كبيرة منها على الطاولة في غرفة الجلوس..ولكنها أصبحت بعد دخولهم منتشرة في المنزل،ومهشمة تماماَ..


وهذا وإن دل على شيء..فقد أكد على أنهم حاربوا شريعة الشيعة..وليس الشيعة أنفسهم..


ورغم كل الفوضى التي أحدثوها في غرف بنات الشهيد والهواتف والحواسيب التي سرقوها،والثياب التي بعثروها، إلا أنّ غرفة الشهيد كان لها النصيب الأوفر من فوضتهم العارمة تلك، حيث عبثوا بأوراقه الخاصة المتعلقة بفحوصات المستشفى..وسرقوا جميع العطور المتواجدة في الغرفة ..والمضحك..أنهم أخذوا العطور وتركوا العلب الفارغة !!




في مساء ذلك اليوم،ذهبت زوجة الشهيد وبناته إلى مركز شرطة السنابس وهو المركز الذي اعتقل منه،سألوا عنه،فأنكروا وجوده عندهم..وأصروا أنه لم يحضر أحد باسم عبد الكريم فخراوي إليهم..فسألت العائلة عن البلاغ الذي قدمه الشهيد،فلم يجدوا عندهم شيئاً يخص هذا الموضوع..


مرت الأيام وعائلة عبد الكريم فخراوي تعاني ألماً قاسياً.. في إنتظار إتصال أو خبر عن مكان تواجده وعن حاله.


......................


من تلك الغرف الموصدة تستمر روايتي للألم .


سأكتب عن قلبٍ كبيرٍ يفيض بحبٍ وإيمان..


سآخذكم معي إلى مسرح الأحداث،إلى الغرفة التي شهدت تعذيب والدٍ حنون،


زوجٍ عطوف،وإنسانٍ بكل ما للكلمة من معنى.سأحدثكم عن أرضٍ تلونت بقاني الدماء!!


عن سجن عُرِفَ بالقسوة، عن جلادٍ لم يعرف معنى الإنسانية يوماً،


ولن أنسى طبعاً أن أشير إلى بطل حكايتي ،إلى السجين الذي لم يعرف غير الإبتسام والوجه البشوش...


هناك، حيث لا تسمع سوى الشتم من جلادٍ، وتكبيرٍ من أسيرٍ، وآهاتٍ من معذب..


لا أدري كيف كان ينظر الجلاد إلى عبد الكريم..ويمعن في ضربه..كيف أمكنه ذلك.. جمال روحه ووجهه .. جعلني أقف وقتاً طويلاً أمام صورته..كيف بمن شاهده أمامه...!!!!


ولا خيارللقلب إلا أن يبكي إحتراقاً عند تخيّل الصورة في غرفة التحقيق .. كيف لا والضحية عبد الكريم فخراوي قبالة جلادٍ يتلقى تعاليمه ويتشرب أحقاده من قادةٍ تعودوا على سفك الدماء.


كلّ البطش الجسدي، والعَمى الطائفي، والهمجية التاريخية انهالت على فخراوي،


وتركت في ضمير شعبه ندوباً لا تمحى.


و في قلوب بناته أهاتٍ لن يوقفها الزمن..


وجرحت جسده بآلاتٍ حادةٍ جعلت روحه تكره الدنيا، وتشتاق للأعلى .


هناك..حيث لا ظلم..


هناك..حيث لا ألم..


هناك..حيث السعادة الأبدية في جنان الخلد..


في تلك الزاوية الصغيرة،حدث الألم.


صرخة عمّت الأرجاء، قابلتها تمتمات جلادٍ مرتعب،فيما بقي الجسد يرتعش تحت وطئ السياط، ترافقه أنّات خافتة من قلبٍ تشبّع بالألم،


همسات التكبير الصادحة في الخارج أججت غضب الجلاد،


فما كان منه إلا أن صب نار حقده على جسد عبد الكريم،الذي لم تسعفه الثواني ليفتح عينيه لآخر مرة..


فقد رحل مغمضاً عينيه عن ألمٍ عظيم..


رحل ولن يفتح عينيه مجدداً ليرى الجدران السوداء،والأرضية المليئة بالدماء،


ووجوه الجلادين الخالية من أية تعابير إنسانية..ولن تلتقي عيناه بعيونهم الباردة الجامدة..


رحل،وقد علت ثغره بسمة خفيفة فيها اطمئنان وأمان..


فيها تسليم،وعشق للوصال..!!!!


..................


أغمضت عيوني في محاولة لتخيل آخر اللحظات من حياة عبد الكريم، وأنا أستمع لصوت أسير سابق، يروي آخر لحظات للشهيد فخراوي:


في أحد الأيام بينما كنت موقوفا مصمد العينين مكبل اليدين من الخلف كنت لا أرى إلا قدميّ وأقدام من يمرون بالقرب مني بسبب الصمادة،كنت أسمع صراخاً من غرفة التحقيق،حيث كانوا يعذبون شخصاً لم أكن أعلم من هو..ولكن كان صراخه يصل إلينا ونحن كنا في ممر سرداب القلعة.


فجأة توقف صراخ المعذب،ولكن صراخ الجلادين استمر،خرج أحد الجلادين ونادى زملاءه الآخرين طالباً منهم المساعدة، وذهبت مجموعة،فسمعتهم يصرخون به : "

قوم وقف قوم وقف لا تمثل علينا"،كانوا يضربونه بالهوز و يشتمونه.

بعد دقائق رأيتهم من تحت الصماد يجرون جثة، كانت ضخمة بعض الشيء،


جروا جثة الشهيد إلى حمام سرداب القلعة،هناك نزلوه وبدؤوا يضربونه مرة ثانية،ويطلبون منه أن يقف، كانوا يعتقدون أنه يمثل عليهم،فكانوا يضربونه بالهوز ،ويسبونه ويشتمونه.


أما هو فلم يكن يرد عليهم ولو حتى بأنين، جراء التعذيب الذي تجرّعه..


استمروا بضربه قرب حمام القلعة ربع ساعة..


ثم أخذوه وجروه نحو حمام السباحة وشغلوا عليه الماء،وكانت هذه الطريقة يستخدمونها معنا جميعاً، وفي حال انهارت قوانا جراء الضرب وسقطنا أرضاً شغّلوا علينا الماء إدّعاء بأنّه سيعافي قوانا، ثم لا يلبثوا أن يضربوننا مرةّ أخرى..


بعد ذلك هدَأ المكان، وبدا لنا أنهم أخذوا جسد الشهيد..


في الليل أخذوني إلى غرفة التحقيق،وقال لي المحقق الأردني (نحن اليوم قتلنا واحداً، ونحن ما عندنا مشكلة ان نقتل أكثر من واحد)،فكان يهددني بالقتل،( نحن الآن في فترة السلامة الوطنية وكل شيء متاح لينا ونستطيع أن نبيدكم )..!!!


لن أزيد على هذه الكلمات أي شيء آخر،فألمها كافٍ ليوقد شعلة الغضب،والحقد على أرباب هذه السلطة، في قلوب جميع الثائرين..


..........................


يوم الثلاثاء الموافق 12 من أبريل لسنة 2011, الساعة الثانية والنصف ظهراً ورد اتصال هاتفي من شخص مجهول على هاتف مكتب الشهيد يطلب من السكرتيرة الحضور إلى قسم الإنعاش في طوارئ مستشفى السلمانية فذهبت ابنة الشهيد فاطمة لرؤية أباها المريض كما زعموا، لم تخبر والدتها بأي شيء.. توجهت إلى السلمانية وبحثت في جميع الأجنحة والأقسام والكمبيوترات، فلم تجد أي اسم مطابق لإسم الشهيد فظنت أنها لعبة أعصاب تُمارس على عائلتها من قبل المتصل.


فبادرت إلى الإتصال على الرقم الذي ورد منه الإتصال، ردت إمرأة فقالت لها : أنا بنت عبدالكريم فخراوي، لقد بحثت في جميع غرف وأقسام المركز فلم أجد أبي، فطلبت منها المرأة أن تنتظر بالقرب من طاولة الكاتب في قسم الطوارئ، تقول فاطمة ابنة الشهيد: أنّه بعد حوالي عشر دقائق من الإنتظار لمحت من بعيد إمرأة من الشرطة ومعها ستةٌ من رجال الجيش المقنعين يحملون أسلحتهم ويتجهون نحوها ،و طلبت منها المرأة أن ترافقها فكان ثلاثة من رجال الجيش أمامها وثلاثة خلفها والمرأة تسير معها،وتوجهوا نحو مخرج المبنى وعندما فتحت الباب أمامها لمحت بوابة المشرحة التي كان يحرسها كم هائل من رجال الشرطة والجيش وكانوا كلهم مقنعين ويحملون الأسلحة، بالإضافة إلى رجال يرتدون ملابس مدنية. فصرخت ابنة الشهيد: ذبحتوه (قتلتوه)!!، نظرت الشرطية في عيني الفتاة بغضب ولؤم وقالت: ماذا تقصدين بقتلناه؟ هذا يومه وكل ماجرى قضاء وقدر.


وأمام هذا المصاب الأليم توجهت ابنة الشهيد نحو المشرحة وهي تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، بينما هم يضحكون عليها .!!!!


جلست في المشرحة وكان يحرسها مايقارب 25 من رجال الجيش المقنعين،


جلست تتأمل جسداً كان يوماً لوالدها، حضناً كان يمدها بالدفئ، ولكنه اليوم أصبح ملوناً بألوان التعذيب المؤلمة، تغيرت وضعيته، وكسرت عظامه، ونام إلى الأبد من دون أن يعطيها قبلة الوادع، من دون أن يخبرها رسالته الأخيرة..


وقفت أمامها الشرطية تقول: "لا تزعلي فهذا قضاء وقدر، وأصلاً والدك جاءنا وهو بصحة غير جيدة"،فتمالكت نفسها واستجمعت قواها وقالت لها: كفاكم كذباً والدي لم يعاني يوماً من أي مرض مزمن، وقد كان معتاداً على إجراء فحص دوري شامل كل ستة شهور ولله الحمد.


وعندما سمعت منها هذا الكلام قالت لها: هل لديك عم؟ فأجابت: نعم، فطلبت منها أن تتصل به ليحضر ويوقع على مايطلبون وأجبرتها على الجلوس في غرفة الإنتظار إلى حين وصوله وكانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً.


وهذا ما كان . لقد أجبر المرتزقةُ أخ الشهيد عبد الكريم أن يوقّع شهادة وفاة مزورة تصرّح بأن عبد الكريم توفي جراء فشل كلوي كان يتعالج منه، و طلبوا منه المجيء في صباح اليوم التالي لاستلام الجثة.


.......................


جفت الأقلام..وانطوت الصفحات..أمام بشاعة الجريمة التي تخرس الألسن..


من يستطيع أن يكتب عن التعذيب!!!


من يستطيع أن يكتب عن صدرٍ حنون..عن قلبٍ واسع..أشبعه الجلاد ضرباً..فأغمضت تلك العيون..ولم ينكس رأس صاحبها..


.................


ولك قارئي العزيز أن تتصور حال عائلته،حال بناته اللاتي ينتظرن والدهن منذ أيام،ينتظرن ذلك الحضن الدافئ ليركضن نحوه، ولكنهن لم يجدن غير صدرٍ هشمته ضربات جلاد حاقد..!!


وفي اليوم التالي ومن مشرحة مستشفى السلمانية،علا هتاف هز السماء، "ما رأيت إلا جميلاً"


هو هتاف زوجةٍ محاصرة بعدد كبير من الجيش والمرتزقة،تقف أمام جسد زوجها الشهيد،ترى علامات التعذيب، فيما يجبرونها على قراءة وثيقة وفاةٍ مزورة.


أبهرتهم صرخاتها الثابتة،وهزت كيانهم عباراتها الصابرة،وانتقصت من رجولتهم صلابة موقفها،أمام حساسية اللحظة.. هكذا هنّ بنات زينب في كربلاء المتجدّدة


وعندما تسلمت العائلة جسد الشهيد، هددت السلطات عائلته بأن لا تقوم بتشييعه وأن تدفنه سريعاً.


........................


في وقت متأخر من ليل 12 أبريل، أعلنت وزارة الداخليّة على «تويتر» وفاة «المواطن عبد الكريم فخراوي (...) بعد مضاعفات إثر تلقيه العلاج لمرض الفشل الكلوي الذي كان يعاني منه». هذه الرواية تتناقض تماماً مع صور جثته التي ظهرت عليها آثار التعذيب الوحشي.!!!


صباح يوم الأربعاء الموافق 13من أبريل لسنة 2011, ذهب أخوه


لإستلام الجثة وإنهاء مراسيم الدفن إلا أنهم تأخروا كثيراً في تسليمه جثة الشهيد.


يقول أخ الشهيد: إنهم هددوني بالقتل وقالوا لي: في حال سماحك لأحد بتصوير الجثة سيكون مصيرك كمصير أخيك، وسنأخذك إلى مكان لن ترى فيه ضوء الشمس" ومنعوني من إقامة مراسم تشييع أخي الشهيد.


وبعد تغسيله وقبل أن يتم أخذه للدفن نزف جرحٌ غائر في رقبته، فأعادوا تغسيله مرة ثانية، وبعد تكفينه في المرة الثانية، دخلت مجموعة من الشباب الغاضبين إلى المغتسل وفكت أكفان الشهيد وشرعت في تصويره..


تلك الصور التي لا يمكن لأحد نسيان ألمها..تلك التي تكشف كذب السلطات وخداعها حين قالت أن سبب وفاة الشهيد هو الفشل الكلوي..!!


كيف يكون الفشل الكلوي هو السبب وجسده قد مهر بألوان غريبة لا يمكن أن تكون إلا بسبب الضرب المبرح..؟!


عجبي من الحكومة الكاذبة اعلانها أنه توفي بسبب فشل كلوي، فهذا المرض لا يسبّب هذه الآثار. و إنّ محاولتهم طمس الحقيقة و دفنه بلا معاينة خير دليل على جرمهم.


وُري جثمان الشهيد عبد الكريم فخراوي الثرى بمقبرة الحورة وسط مشاركة كبيرة من المشيّعين الذين توافدوا منذ قبل بدء مراسم التشييع من مناطق مختلفة من البحرين رغم الحصار الذي فرضته الحكومة على المشيعين. وهتف المشيعون بشعارات وأبيات شعرية نادت بالاستمرار على النهج السلمي في التظاهرات والاحتجاجات مطالبين بإصلاحات سياسية ودستورية واسعة في البلاد.


في ذلك اليوم كان تويتر وفايس بوك كفيلين بكشف حقيقة التعذيب الذي تعرّض له فخراوي وبسرعة قصوى انطبعت الحقيقة في كل مكان،وتمردت على محاولات الطمس والإخفاء..


مقاطع الفيديو التي يلتقطها هواة من أجهزة الخلوي هي الوثيقة الحقيقية التي تؤرخ لما جرى ويجري في البحرين ولن يتمكن التاريخ الرسمي من التحريض والتزوير بعد الآن..وهذا تحديداً ما دفع ثمنه عبد الكريم فخراوي ..الرجل الذي يدافع عن العلم وينشر المعرفة..لا يمكن إلا أن يخيف الظالمين..ويستجلب حقد القاتل..




وبعد الانتشار الكبير لقضية مقتل عبد الكريم فخراوي خلف قضبان السجون وانتشار صور جسده المعذب ،دعت منظمات حقوقية دولية عدة إلى تحقيق فوري في أسباب وفاة الناشر البحريني، وهو رابع معتقل يفارق الحياة في مراكز الشرطة في البحرين. الذهول يلفّ الأوساط السياسيّة والإعلاميّة والثقافيّة في المملكة. كيف يُعقل أن يموت ناشط ورجل أعمال تحت التعذيب؟ لماذا أثار فخراوي كل هذا الحقد والضغينة لدى القوّة الأمنية التي استباحت البحرين برعاية سعوديّة؟


أسئلة لن تجد لها أجوبة في ظل وجود نظام مستبد كنظام آل خليفة.


......................


كان عبد الكريم مدرسة تعلم الأجيال الدين والعشق الإلهي، تعلمهم كيف يذوبون حباً في أهل البيت، تقدم لهم دروساً في الأخلاق الحسنة، والاحترام، وصلة الأرحام، وفعل الخير..


لتضيف ابنته فوق كل هذه الخصال الجميلة وتقول:


"تعلمت من ابي الشهيد تقديس الام والحياة الزوجية كما اني تعلمت منه رد السيئة بابتسامة , استلهمت منه الصبر على المصائب والتوكل على الله، هو كان مدرستي التي تخرجت منها طوال هذه السنين كما انني افخر به ويكفيني ان اكون ابنة الشهيد البطل ، فشكراً له لأنه أهداني لقب ابنة الشهيد.."




......................


بشوش الوجه، ضاحكاً مستبشراً بالخير في أحلك الظروف، وزد عليه حبه للقرآن الكريم وزيارة بيت الله الحرام، وتفانيه في خدمة أهل البيت عليهم السلام بشتى الطرق والوسائل، إنه عبد الكريم فخراوي، الذي لم ترحم طيبته أياد جلادٍ أوسعت صدره ضرباً.


هو بحق يدهشك في كل مرة تلتقيه لأمور كثيرة، منها الذكاء الوقاد والفطنة والنباهة وعشقه لخدمة المؤمنين وتواضعه الراقي رغم انه صاحب جاه ومال ! عبد الكريم إسمٌ على مسمى هو كريم..


ويقول صهر الشهيد " كنا نعيش مع ملاك بشكل بشر، فكريم ملاك، وهو مدرسة تعلمنا منه حسن الخلق والطيب وفعل الخير "


.......................


لقد اعترف بسيوني وأمام الكل في الاجتماع بأنه متأكد من مظلومية الشهيد عبد الكريم فخراوي، وأكد لعائلة الشهيد يقينه بأن عبد الكريم توفي جراء التعذيب الشديد..


ولكن بعد سنة من رحيل عبد الكريم هل تم محاسبة أحد جلاديه؟؟؟


ولا أنسى أن أروي ما ذكره أكثر من أسير كانوا يتواجدون مع الشهيد عبد الكريم وكيف أنّه في آخر لحظات حياته كان يطلب الماء .. إلا أنّهم تركوه يرحل عطشاناً مواسياً إمامه الحسين، الذي كان يزوره في الأربعين من كل عام مشياً على الأأقدام طالباً منه الرحمة.


وفي آخر زيارة له،وقف عند المقام،رفع يديه نحو السماء وقال:اللهم ارزقني الشهادة..


وغادر نحو موطنه، يحمل في قلبه شوقاً ونجوى..


ولأن القلب الصافي يآجره الله دائما بالخير،فقد رزقه الله الشهادة سريعاً جداً.ولم يدع قلبه الولهان لوصال المحبوب ينتظر أكثر ويتلظى بنار الشوق.


وقبل النهاية:


في أثناء بحثي عن معلومات عن الشهيد، لأكتبها في قصة، قرأت أمراً كتبته ابنته فاطمة، وأثر فيّ كثيراً، لدرجة أنه كلما مرت مناسبة، أذكر بنات الشهيد وأسأل نفسي ما حالهن اليوم؟؟


"في كل مولد كان ابي الشهيد يدخل علينا بالكعك وثلاث وردات حمراء لي وأخواتي ووردة واحدة كبيرة بيضاء لامي، فتعلمنا منه العشق الالهي ومحبة اهل البيت.."


ولكن هذا العام وفي الأعوام المقبلة، سوف تمر المناسبات، من دون ورد ولا حتى حلوى، ستمر بدمعة تمسحها يدا البنات اللاتي يتعالين على آلامهن ليبقين صامدات أمام كل من يسعى للتقليل من عزيمتهم..


في هذا العام، لن تنتظر الفتيات الورد عند باب الدار، بل هنّ من سوف يحملن الورد مع أمهن ويتوجهن نحو القبر، قبر والدهن الشهيد، ليزرعنه ورداً وريحاناً..


........


في النهاية رسالتي إلى حمد وخليفة وكل طاغية وظالم:




تأكد أن أعمالك في النهاية ستحرق عرشك كما حرقت قلوب اليتامى والأرامل وقلوب كل من يفتقد احباءه، وسوف ترى العذاب الدنيوي بعينيك قبل العذاب الأخروي، فدموع المظلوم ودعواته ليس بينها وبين الله حاجباً ولو كان كافراً...!!!



ولا يسعنا القول سوى هون ما نزل بنا أنه بعين الله ..وأنت قلت يا ربي في محكم كتابك"إنا من المجرمين منتقمون" فنحن وكل المظلومين بانتظار يوم الحساب، ليحصل كل مظلوم على حقه في المحكمة الإلهية..


قُل لشفةِ المظلوم ابتسمي .. فقريباً أسنانُ الظالم ستنكسر


السلام على المكبل في قعر السجون...السلام على البطل المظلوم..السلام على الشهيد عبد الكريم فخراوي..


السلام على الذي رحل عن دنيانا عطشاناً متألماً...


السلام على شيخ الشهداء..
.......................................
آثار التعذيب على جسد الشهيد عبد الكريم فخراوي:
 








فاطمة يوسف زبيب - لبنان

‏03‏/04‏/2012

الثلاثاء، مارس 20، 2012

الشهيد أحمد الفرحان...بقلمي..كما يسكن قلبي..






ملاحظة:هذه القصة حقيقية بكل ما تحويه من تفاصيل حول الشهيد وطريقة شهادته..إلا أنني أبداً لم أكن متواجدة هناك..بل حاولت من خلال كلماتي تقريب الواقع..لذلك، اقتضى التوضيح
............................
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف.
قصة الشهيد المظلوم أحمد فرحان
بطاقة الهوية:
الاسم:أحمد فرحان آل فرحان
البلدة:سترة - مهزّة
العمر :30 سنة
تاريخ الاستشهاد:الثلاثاء 15 مارس 2011
مكان الاستشهاد:سترة..
..............................................
"فقط في أوال ترقص الطيور تحت غمام من دم،وعلى أنغام رصاص عربيّ عالميّ...
هناك فقط..تدمّر الإنسانية..وتبدأ الجيوش بمبارزة الصدور العارية..
وأيضاَ..هناك فقط..طفلة..تجر ثوبها الطويل تركض وتتعثر بجثة(1)...!!!"
محطتي التالية كانت جزيرة تدعى سترة..وحين سألت عنها،قيل لي أنها إحدى جزر أرخبيل البحرين..وهي الثانية بين جزر البحرين في المساحة..وتقع في شرق المملكة..
وسمعت من أحدهم أنها سميت بـ"سترة"وذلك لأنه منذ سنين كان النخيل يسترها من كل جانب...!!!
ولكي أصل إلى سترة..كان علي أن أجتاز جسراً يصل جزيرة البحرين بشمال هذه الجزيرة..لم تكن المسافة طويلة كثيراً..
وفي سترة..مشيت كثيراً..وأثناء تجوالي لاحظت أن معظم الشوارع خالية من المارة...
ومضى بعضُ وقتٍ قبل أن أرى عدة شبّانٍ يسيرون،كانوا يتحدثون عن استعدادهم للاستشهاد كي يبقى لدى أهل البحرين الكرامة..ومن خلال حديثهم فهمت أنهم ذاهبون إلى تظاهرة..وسمعت أحدهم يقول بأنه اغتسل غسل الشهادة،وودع عائلته،لأنه قد لا يعود..ابتسمت لهذه الشجاعة التي تدفع إنساناً ليذهب إلى مكان هو يعلم أن عودته سالماً منه،صعبة...!!
لكن هؤلاء هم أحفاد الإمام الحسين،الذي كان يعلم،أن السيوف المرفوعة بوجهه،والسهام المصوبة نحوه،هي كلها لقتله وقتل عائلته،لكنه كان يدرك أن موته سوف يحي الدين،والشعوب..فلم يهب أبداً..وبقي صامداً..فكانت له الشهادة..
وصلت إلى مكان التظاهرة،كان منظرهم جميل جداً،ذكرني بمشاهد بقيت عالقة في ذهني عن أحداث دوار اللؤلؤة..فإصرار الشباب ذاته..واندفاعهم واحد..
يهتفون بكل عزم...
"الشعب يريد إسقاط النظام.."
"أريد حقي بالحياة.."
أحسست بشعور لا أدري كيف أصفه..
القوة...أصوات الرجولة ترتفع..وصدور عارية تواجه الدبابات والرصاص..
دمعت عيناي...وقلبي ينتفض..أصرخ معهم..
شجاعتهم غريبة...
وبأسهم عجيب...

في هذه الأثناء علا صوت مزق جدار السماء...يهتف بإصرار وثبات...

"نحن بركانُ تفجر..صارخاً الله أكبر.."
الله أكبر....الله أكبر..يا لهذه الكلمة كم هزت من عروشِ طغاةٍ عبر الزمن...
حاملين لافتات تندد بالظلم...وتطالب بحقهم المشروع في الحياة...
أجمل شعار قرأته كان:
"إن الطريق مظلم وحالك فإذا لم نحترق أنا وأنت فمن سينير الطريق !! "
صح لسان من قال هذه الجملة،فلو لا التضحية لما كان النصر..
كنت لا أزال غارقة في شعور رائع من الفخر..حين أجفلني صوت الرصاص...آهٍ لقلبي المسكين كم انتفض يومها من الفزع...غبار عم الأرجاء..ودخان كثيف..ومع ارتفاع أصوات الرصاص كانت أصوات الشباب ترتفع صارخة"سلميّة...سلميّة..."
استغربت من الشباب، على الرغم من أن لا شيء يردعهم عن الدفاع عن أنفسهم حيث أن جميع القوانين والدول تشرع للإنسان أن يدافع عن نفسه بأية وسيلة يشاء..إلا أنهم ظلوا على عهدهم بسلمية التحرك .. ؟؟

ووقف شباب..يصرخون أمام الجنود المدرعين بالرصاص...

"أنا الشهيد التالي.."
فهم أحفاد الإمام الذي قال:
"أبالموت تهددني يا ابن الطلقاء..إن الموت لنا عادة..وكرامتنا من الله الشهادة.."
لكن هؤلاء الجنود الذين يقال لهم "الشرطة"التي وجدت في الأساس لحماية الشعب..كانت هنا تقتل الشعب..شباب يركضون..ورجال يجرون بأقصى سرعتهم محاولين الهرب من الرصاص الحي الذي يطلق عليهم...كنت لا أزال واقفة مكاني..مشدوهة بما يحصل..حين قررت الجري معهم..
وأنا أركض كانت دموعي تجري بشدة،وتعيق علي الرؤية....
فأمسحها..لأعيد الجري..فشاب يقع أرضاً مغشياً عليه بسبب الغاز المسيل للدموع الذي تنشقه..
وآخر يضع يده على بطنه..لأرى الدماء تتسلل من بين أصابعه..
مررت بقرب جريح يحاول أن يساعد جريح آخر...كان مشهداً لا يوصف..
وكلما مررت كنت أرى أشخاصاً تسقط أرضاً..وآخرين يتألمون...حتى ما بقي أحد تواجد هناك في ذلك اليوم، إن لم يختنق فقد مهر جسده بالجراح..
وفجأة..كنت لا أزل في نفس المكان ولم أبتعد كثيراً...حين توقفت قدماي عن المسير..وشلت أطرافي..وتوقفت عن التنفس...
لروع المنظر...ضربت وجهي كي أجبر نفسي على التنفس من جديد كي لا أموت أيضاً هنا...
أعذروني لاضطرابي..فالمنظر مؤلم..ولو وجدت في قاموسي المتواضع كلمة أشد إيلاماً من "مؤلم" لوضعت...
وقع مقابلي أرضاً...كان يسير أمامي مباشرة...حين سمعت صرخته المدوية...وصوت ارتطام جسده بالأرض...
رأيت رأسه يغرق في بحيرة دماء..وسمعت أحدهم يناديه..أحمد..يا أحمد..
لكني رأيت عيون أحمدٍ أغلقت..وشفتاه افترت عن ابتسامة كأنه يهزأ ممن صوب نحوه الرصاص..
ويقول له..تبوأ مقعدك في النار.. فسيدتنا فاطمة عليها السلام وقبل شهادتها كان أمير المؤمنين يبكي..فمسحت الدموع التي انهمرت من عينيه ومسحت بها وجهها وصدرها..وحين سألها الإمام علي عمّا تصنع قالت عليها السلام:بأن النار ليس تمس جسما انهمرت عليه دموع المظلوم..
وأنا هنا مظلوم...
وغدا يا قاتلي سوف نقف معاً يوم الحساب..
لأقول يا رب هذا فجر رأسي..هذا أبكى أمي..هذا أدمى قلب أختي..وهذا قطع قلبي أبي..
لتجيبني العدالة الإلهية إن للظالمين عذاب شديد..
وأنا موعود أن قاتلي سوف يصطلي بنار جهنم..
يا إلهي..يا رب العالمين..كم كان منظراً قاسياً..ليس فقط علي بل على كل من رآه...
سوف أعتذر ممن سيقرأ الآتي لأنه قاسٍ جداً..لكن يجب أن أقوله ولو بغصة...
من أول ما رأيته علمت أنه استشهد...
رأسُ مفتوح..ودماغٌ يتدلى خارجاً...يا له من مشهد مؤلم..حتى نفسي لا أستطيع أن أصفه...
وجسد مطروح أرضاً.حوله أناس مذهولة لا تعرف ماذا تصنع..
أشخاصٌ تنظر لعينان كانتا منذ وقتٍ قصيرِ تبادلهما الأنظار..ولكنها الآن أغمضت للأبد..
تنظر لرأس هشم الحقد عظامه...فرمى بدماغهِ خارجاً....
وسط هذا الذهول..تدخل أحدهم..وحمل "أحمد" نحو المستشفى..
كلما تحرك حامل الجسد..كانت بقايا دماغه تتناثر أرضاً..وأجزاء رأسه تتدلى خارجاً..
وصلوا به إلى المستشفى...بالطبع نحو الطوارئ حيث أن الأطباء الموجودين هناك هم مستعدون لاستقبال الحالات الخطيرة..ولكنهم أبداً لم يكونوا مستعدين لاستقبال حالة بهذه الفظاعة...
عند باب المستشفى..كان الصريخ..كان صريخ الأطباء والأشخاص الذين أتوا للعلاج..أو حتى من أتى عارضاً المساعدة على الأفراد..كان مشهداً لا يمكن لي أن أعود لتذكره من دون البكاء..من دون من أن يقشعر بدني لذلك المشهد الأليم..
كان هناك جلبة كبيرة...فالعشرات جاؤوا بهم إلى هنا...
هنا جريح يتلوى من الألم..يجلس أرضاً منتظراً دوره في العلاج..فقد وصل من حاله محرجُ أكثر منه...
وهناك شاب يجلسونه على السرير..وأرى تعابير الألم على وجهه..وهو يحاول التنفس بصعوبة..فبين كل نفس وآخر يكبت صرخة ألم تتفجر داخله..وهم ينتشلون بقايا الشوزن السلاح المحرم دولياً من جسده..ويصرخ "انتظروا قليلاً"ليمهلوه وقتاً ليلتقط أنفاسه..ليعودوا لاستخراج بقايا السلاح من جسده.
هل رأيتم من قبل مشهداً اكثر إيلاماً من هذا..سوف أخبركم عنه..
يجلسون الجريح المتألم على السرير الذي كان قبل وصوله بلحظات ذو غطاء أبيض..لكن لونه الآن تغير ليصبح أحمر...
يحضرون أدوات معقمة..وآلة حادة رفيعة..لينتشلوا من كل مكان في جسده بقايا الشوزن..
هذا السلاح محرم دولياً نظراً للضرر الكبير الذي يتركه في جسد المصاب به..ومعظم من يصابون به يقتلون لأنه يخترق رآهم وقلبهم..
هذا الرصاص ينتشر أجزاء على جسد الجريح..فلن يبقى مكان في ظهره أو صدره إلا فيه شظايا..
مؤلم هذا المنظر الذي كلما تلفت رأيت مثله..فقد استعملته الشرطة كثيراً...
كان عدد المصابين هائل جداً..أكبر من قدرة المستشفى على الاحتمال..حتى لم يبقى أماكن وأسرة فارغة..فوضع الأطباء فرشاً في ساحة المركز الصحي كي يعوضوا ولو القليل من النقص..
كنت لا أزال أسير خلف أحمد الذي أحضروه..
"غرفة الإنعاش.."
وعلى بعد مترين من السرير..انتبهت لنفسي..أشهق شهقة كادت تودي بحياتي..وأغلق عيوني ألماً..أغلقها لكن صورة انطبعت في ذهني بقسوة...أغمضت عيوني..وضربت رأسي ليستفرغ تلك الصورة المؤلمة...لأعود وأفتحها بعد أن علا صوت صراخ..
الصرخات ما كانت صرخات أمٍ ثكلى..ولا أب مفجوع ولا أخت تندب شباب أخيها...
بل كان صراخ أطباء..أعيتهم تلك المناظر المؤلمة...
..لهول المنظر..
أجهش الطاقم الطبي بالبكاء..حين أحضروا جسده إلى غرفة الإنعاش..رأسه مفتوح..وبقايا دماغه ألحقت به بعد فترة..
أكانوا حقاً عندهم أمل في أن تعود لهم يا أحمد..؟؟فأنا أرى أنكَ أنتَ من أردت المغادرة..فقد جافت نفسك هذه الحياة الخائنة...
منذ التسعينات..ودمه لا زال يفور،ولم يهدأ..لم تردعه سنين الاعتقال الثلاث في سجن "الحوض الجاف"..ولا تلك التهم الملفقة بإحراق مخازن..
ولم تخفف من عزيمته آلام التعذيب..ورهبة السجون..بل بقي مندفعاً ليحامي عن حقه المشروع،في أن يعيش..
في كل الأعراف..والقوانين والدساتير حق الإنسان الطبيعي هو أن يعيش أقله بحرية في بلده..لكن في بلد أحمد..من يريد أن يعيش حياته الطبيعية..عليه أن يجاهد طويلاً..وطويلاً جداً..وفي مسيرته نحو تحصيل حقه المشروع..قد لا يعود..أو لنقل قد يعود.لكن...جسداً محملاً في نعشٍ..
..إنه من لأجله تبكي ملائكة الرحمة..إنه أحمد..ذلك الجسد المرسوم فوقه علامات الظلم..وذلك الصوت الذي ما برح يصرخ..فليسقط الظلم. وعلى مر السنوات حاول ذلك الظلم أن يخرس أحمد..لكنه ما استطاع إلا بعد أن فجر رأسه برصاصة..أردته شهيداً..
.............................
وككل المناسبات التي تسجل فيها الأرقام دولياً..حصل أن كان أحمد..رقماً مسجلاً في عداد الشهداء..
رقم تسعة....هذا هو الرقم الذي حملته يا أحمد من دون أن تدري..فقد أصبح رقمك تسعة بعد ذهابكَ..!!!
هو الشهيد التاسع من شهداء ثورة الرابع عشر من فبراير..
وبعد أن خاطوا جراحات رأسه بصعوبة..وحاولوا إيقاف الدم النازف من جسدهٍ بسبب رصاص الشوزن..
جاءت أخته..جاءت تلك الفتاة التي كانت تبحث عن أخيها..لا تبحث عن جسدٍ مثقوب ولا رأسٍ مفتوح..فقط عن أخٍ..عن من كان سندها..عن حضنٍ دافئٍ..وعينان تنبضان بالحب..
وبالرغم من رفض الممرضات لها أن ترى أخيها..ولكن صرخاتها المفجوعة رقت لأجلها قلوبهم..فسمحو لها..مع أنها كانت لا تقوى على الوقوف..
كنت أرقبها بصمت مطبق..إلى أن رفعت الغطاء عن وجهه..وصرخت..!!
لا يمكنني نسيان ذاك الشاب الذي جاء معها..لا أدري من هو..ولكنه ما توقف عن مناداته..أحمد...أحمد..يا أحمد..!!!
لكن أحمداً لم يجب..
ولا زال يناديه أحمد...!!
هل حقاً كان يتوقع أن يجيبه أحمد..؟؟!!
لا أدري ربما كان عنده أملٌ في أن يعود أحمد إلى هذه الحياة...
ربما كان يتأمل أن يعود أحمد إلى أقرباءه وأحباءه..
أحمد عاد حقاً...ولكن روحاً تلامس جفونهم الدامعة..وتمسح عنها الألم..
وتدعوهم إلى عدم البكاء لأنه يعيش أفضل بكثير مما كان يعيشه في غرفته الخشبية..
لم يقطع تفكيري غير أنّاتها...غير بكاءها..وحتى صراخها.
لن أنسى ذلك الرجل الذي جاء من الخارج..لم يستطع تحمل المنظر..ضرب على رأسه صارخاً"الله عليك يا حَمَدْ"وخرج من المشرحة من غير وعي يبكي ويصرخ..
وقد كتم صرخاته ليطلقها بعيداً عن عيني أخت احمدٍ كي لا يزيد ألماً فوق ألمها الذي لا يقاس.
وأبداً لم تذهب من ذاكرتي كلماتها..ما توقفت عن ترديد"اشفع لي..اشفع لي."
وتلك الممرضة..تضع يداً على كتف أخته تواسيها به..ويداً أخرى تضرب بها رأسها فجعاً..وتصرخ"الله أكبر..الله أكبر.."
الله أكبر على الظالمين..الله أكبر على المعتدين..الله أكبر على كل من أسال قطرة دمٍ من جسد مظلوم.
تشد له ملابسه..تلك الملطخة بالدماء..تشدها وتقول "أنظروا..أنظروا.." وتبكي بألم شديد...وتصرخ وتشده وهي لا تقوى على التعبير..
وبعد أن أعيا الممرضين البكاء والصراخ..ولم يعد باستطاعتهم تحمل رؤيتها تناجي أخاها مفصوخ الرأس..الملطخ بالدماء..
نادوها أن كفاكِ....أرادوا إخراجها من الغرفة..
ولا زالت نظراتها حائرة..متقلبة في ذلك الجسد..حاولت أن تكشف الغطاء عن قدميه..لكنهم نهروها..أن لا تتفحص جسده..
ربما أرادوا لها أن لا ترى تلك الرصاصات التي ما اكتفت بتشويه رأسه..بل عمدت إلى ثقب جسده بحقدها..!!
فصرخت بهم.."قبلة الوداع..قبلة الوداع.."
"يا خوي يا خلف جبدي..مع السلامة سامحني" بهذه الكلمات ودعت أخيها..وشدوها خارجاً وهي تصرخ.."فاز أخوي فاز.."


أخذوه نحو المغسل...وهناك كان الأقسى..كيف سوف يغسلونه..والدماء لا تزال تنزف من رأسه.!!!

هل رأى أحدكم جسد أحمد...
لن أدعوكم لرؤية رأسه..فلن يمكنكم تحمل المنظر..
لكن جسده كان مرقعاً بالجروح من أثر السلاح الذي خط رسوم ظلم جديدة فوق تلك العلامات القديمة..تلك النقاط التي ثقبت ظهره..وأسالت دماءه..كانت قاسية بحق.إنه الشوزن أكثر الأسلحة ضرراً..
"على مهلك ياللي تغسل , على مهلك على راسه
تحاذر تجس جرحه , تحاذر تجرح احساسه
بعدها تألمه جروحه , فداه امه و فداه ناسه
تمهل لا تعصب الراس , و بالجفن لا تشده
راسه بالرصاص انصاب و جرحه ما خمد بعده
عساه الموت ماخذني , واحمد يا رب ترده
و لا اشوفنه هالدفان , عليه هال تربانه
أياريت اندفن سبعين , ولا يندفن جثمانه
ولا يتركني وحيده , و عليه الروح حزنانه ..
أحمد يا بعد امك , عليك الهادي جاوبني
ترا جرحك يا بعد الروح صايبني و ذابحني
أحلفك يبني بالبحرين , اللي لخاطرها عايفني
عوف المغتسل يا زين , و للموت لا تخضع
أحمد قوم يا بعد الروح للبحرين ولي أرجع
لا تقول الأجل أرداك و صوتك فلا أسمع
على مهلك ياللي تغسل على مهلك على الراس
بعده شباب وليدي و ما خلوه هالانجاس
...............................
وفي ظهر اليوم التالي..كان التشيع..
قبل وضعه في النعش..بعد أن لفوه بالكفن الأبيض..علت الهتافات في الغرفة..بأنهم سوف يثأرون للشهيد..وأن دماءه لن تذهب هباءً..وحالة من الغضب الشديد انتقلت إلى كل من كان من الغرفة..فارتفعت أياديهم وقبضاتهم تلعن الظلم والظالم..
أيادٍ ارتفعت لتحمل النعش..الملفوف بعلم الوطن الأحمر..والأبيض.!!كان علم البحرين يوماً يرمز إلى السلام..والحب..ولكن أبى جلاوزة النظام إلا تحويله ليصبح يرمز إلى الدماء والأكفان..
أيادٍ تتدافع لتلمس النعش المحمول فوق الأكف..علّ بركات الشهيد ..المظلوم..المغدور..تطالهم..
وإلى مثواه الأخير انطلقوا...
وطوال الطريق يرددون:
"هذا الشهيد نعيفه..هيهات يا خليفه.."
وعدُ بأنهم لن ينسوا يوماً شهيداً سقط..ليحيوا هم..ولو حاول العالم أن ينسيهم إياه..
وقرب قبره الطاهر...تشعر بالفخر بهذا البطل..الذي رحل وقد تحمل مرارة الفقر والبؤس الذي لم يمكنه من الزواج لينجب طفلاً يحمل اسمه...لكأني به يقول:
لِّثَرَاك دِمَائِي يَا وَطَنِي تَضْحِيَة ووَفِدَاء
وَالْعلَم الْاحْمَر ذَا كَفَنِي كَان وِشَاح وَلَاء
مُرْتَزِق جَاء لِيَقْتُلَنِي وَالَى الْسَّلَم اسَاء

عندما أنهيت قراءة الفاتحة على قبره..عدت إلى منزله..لأسلم

على أهله..

هل رأى أحدكم صوراً لمنزل أهل أحمد.؟؟أنا أدعوكم للاطلاع عليها..فالإنترنت تحوي صوراً لبيتٍ خشبي وحبائل غسيل عليها ثياب قديمة..تحكي عن حال أصحابها..باب يشار إلى أنه يؤدي إلى غرفة أحمد..بقيت أتأمل تلك الغرفة..غرفة أحمد؟؟؟أي غرفة وشكلها لا يوحي بشيء؟..قطع خشب مصفوفة لتكون جدران..وقطع ألمنيوم وضعت فوقها في ما يسمى سقف..!!وأصبح هذا الشيء يدعى منزلاً.؟؟ منزلٌ نصفه آيل للسقوط..!! غرفة لا تقي حراً..ولا تدفع برداً..ولا تمنع مطراً..!!

حقيقة لم يبكيني الشهيد احمد عندما تفجر رأسه بقدر ما أبكاني رؤية المكان الذي كان يعيش فيه...

ويسألون لماذا الثورة ؟ الشهيد أحمد أحد الثوار والشهداء

عاش في ما يسمى بمصطلحه غرفة...ولكن عندي لم أجد لهذا المكان اسمُ..كيف يعيش هذا الشاب في هكذا غرفة...!!
اعذروني فلم أعد أجد كلماتي...فقد أضعتها بين سيل دموعي..
ولا زالوا يستنكرون لما خرجت يا أحمد لتطالب بحقك في الحياة..غريب أمر هؤلاء الناس..!!!
ولا زالوا يقولون أنهم بلد نفطي...يقدم الرفاه لأبنائه..يا لهذا الرفاه.يا لهذه التقديمات التي تدعكَ تعيش في غرفة من خشب!!!!!
بكيت كثيراً للظلم الذي تعرض له الشهيد أحمد..بكيت لرأسه المفتوح..لأمه الثكلى..لأخته التي ما توقفت عن القول "أخوي فاز..أخوي فاز" ..
وأثناء بحثي على الانترنت...شاهدت فيديو يتحدث أن قناة "س إن إن" كانت قد اعدت تقريراً في العام 2007 عن الفقر في البحرين..وفي الفيديو ظهرت أسرة الشهيد أحمد..تتحدث عن الفقر...
فهل هي صدفة..أم القدر...؟؟لكني لا أظن أنها الصدفة..بل هذا أكبر دليل على أن هناك الكثير من الشعب البحريني يعاني من الفقر...
وليلاً خرجت سترة..لتزف شهيدها الذي لم تشهد له عرساً دنيوياً..فكان له عرسٌ في السماء..خرجت سترة..بنساءها..أطفالها..شبابها وشيوخها..ليزفوا العريس إلى الحور العين..
"عاهدناك عاهدناك .. يا شهيد ما ننساك
علقت شموع بمصابك ..
تضوي جروح بغيابك ..
شموع الـ ما تفرحك ..
حتماً تألمك !
نشف قلبي .. و بقيت إنته..بـ قلب أمك !"
حاملين الشموع..وفي ظلمة الليلة...يرددون ما لكلماته تهطل الدموع..كلمات ورثها الأبناء في البحرين عن أجدادهم..كلمات لا زالت تردد في كل يوم عاشوراء..
كلمات..يصف بها الشاعر الذي كتبها حال القاسم..ابن الإمام الحسن عليه السلام الذي قتل في رمضاء كربلاء..وهو لم يبلغ الحلم..
كيف أن أمّه..كما كل الأمهات..تتمنى أن تراه عريساً تزفه بفرح..لكن لم يتسنى لها هذا..فقد خُضِّبَ بالدماء..ورحلَ شهيداً إلى ربه..
تخطر في بالي هذه الأفكار..وأنا أسمع هذه الجمل...فأم الشهيد أحمد،لم يكتب لها أن ترى ابنها عريساً يزف..لتفرح بعد سنوات بأطفاله يحوطونها...

"يمه ذكريني من تمر زفة شباب..

من العرس محروم وحنتي دم المصاب ..
شمعة شبابي من يطفوها..!!
حنتي دمي والكفن ذار التراب...
من ثدي النيبا راضع بصافي الحليب
وبهالشهادة صار الي قسمة ونصيب

يوم المبارك أصبح لديني شهيد

وافزع لعمي من يظل بالطف وحيد

اهلي وصوني بالوفا يوم الطفوف

ومن دم وريدي يصبح خضاب الجفوف
هذي وصيتي يا التسمعوها
رملة بمصابي خل يفجعوها
نيتي بديوان جدي كتبوها
حنتي دمي والجفن ذار التراب..."
أسمع صوت الشباب الذين يرددون هذه الجمل..وقد اخترق صوتهم حشرجة دموع..وآهاتٍ يطلقونها بأسى على الطريقة البشعة التي رحل بها الشهيد عن هذه الدنيا.
قلبي يردد هذه الكلمات..وقد لفح وجهي المبلل بالدموع هواء الليل البارد..ليقشعر بدني..وأغلق عيناي على ذلك المشهد الأليم..وأفتحه على هذا المشهد الذي يفتخر به كل ذي عزة..
مئات من النساء والأطفال...عوضاً عن الرجال والشباب..يسيرون ليلاً حاملين شموع الوفاء للشهداء الأبرار..الذي قدموا دمهم فداء لتراب البحرين...
أسير مبتعدة،ولا زال صدى كلمات والد الشهيد أحمد تتردد في ذهني..
"اشكره على هذا الي سواه...رفع راسنا ورفع شعب البحرين كامل بأكمله .. الحمدلله رب العالمين انه عند الحسين جده وامه وابيه واخيه والمعصومين كامل وياه .. ان شاء الله مع المحفوظين..الحمدلله اشكرك يا ربي على هذه النعمة . نشكركم على هذه المعاملة الطيبة.(2)

وتشعرني بالفخر،بأنه هناك نماذج من أهل الصمود في عالمنا،مثل أهل الشهداء..وسوف أقول،أنه ولو بكينا على الشهيد،فليعلم العالم أننا لا نبكي لأنه توفي.. فلعل أهل الشهيد يبكون حالهم في لحظات فقدهم الحبيب والغالي ولا يبكون الشهيد، فلا مبرر للبكاء على من تحسنت أحواله وإرتاح باله، ولا مبرر للبكاء على من ترك دار الفناء وإلتحق بدار البقاء، وترك دار الّمَمرِّ وسكن في دار المَقرّ،

وشخصياً..حين أبكي..أبكي على فقدي إياه..أبكي اشتياقاً للأيام التي كان فيها يزين هذه الدنيا بوجوده الطاهر فيها..أبكي على حالي أين بقيت..ويما تعقلت في هذه الدنيا..وهم..أين ذهبوا..وماذا أصبحت حالهم...حيث النعيم..وحيث لا ظلم..ولا حزن..بل فرح..وسعادة..سرمديان.

.............
جسد الشهيد أحمد فرحان وقد ثقبته آلة الغدر الخليفية..!!













حالة الغضب التي اجتاحت المغسلين للشهيد 

 











لحظة إغلاق عيون الشهيد أحمد فرحان

 













.........................................
 
 1-من مقال للكاتب حسين المتروك..بتصرف
2-انتشرت على الإنترنت فيديوهات تظهر والد الشهيد وهويتحدث عن ابنه وهذه الكلمات مقتبسة من كلماته-وقد تكون بعض الكلمات التي أوردتها في قصتي مختلفة قليلاً عن التي ظهرت في الفيديو..وذلك لأني لم أستطع فهم بالتحديد اللهجة التي كان يتكلم بها والد الشهيد...
عبد المنعم منصور وهو حامل الشهيد أحمد فرحان اعتقل بسبب حمله للشهيد،وحوكم سنة كاملة وأطلق سراحه قبل عدة أيام من ذكرى السنوية الأولى لشهادة الشهيد أحمد فرحان..فله الحرية والعزة والشرف..

................

~ انتهى ~
فاطمة زبيب
‏09‏/04‏/2011‏ السبت..
04:50

الأحد، فبراير 12، 2012

زيدينا عزّة يا غزّة..



هناك. حيث الألم أصبح شيئا عاديا. حيث الحرمان والجوع من الأمور الطبيعية.
هناك في بلدة محاطة بجدار فولاذي من إحدى حدودها يمنع الغذاء من الوصول.
والبحر حيث لا مفر. والإسرائيليين من جهة أخرى.
هناك حصلت أكثر القصص بطولة و شجاعة سجلتها دفاتر التاريخ.
وبالتحديد في غزة. في معقل الرجال
يوميا تتساءل الطيور ضوء الشمس من أين يسطع؟؟. والقمر من أين يطلع؟؟. فتجيبها الغيوم التي تعبر هذه السماء "من تلك الأرض. من أرض رجالها أقسموا أن يدفعوا ثمن حريتها الدماء. لم يبادلوها لا بالمال. لا بالذهب ولا بالماس. فهي في عيونهم أغلى من كل جواهر  الكون.
هم رجال غزة. هم مَن مِن قبل أن يولدوا يتغذون المجد من بطون أمهاتهم.
هم رجال رضعوا من حليب المقاومة.
إنهم هم الرجال بحق.
هم من يشبه الرجال بجبروتهم.
في صباح لم يستيقظ الناس على ألحان العصافير. ولم يصلوا الصبح بعد أن أيقظهم صياح الديك البديع.
كان خالد قد وقف في منتصف داره، يتلفت يمينا ويسارا، فقد أستيقظ مذعوراً على صوت انفجار، وبحث عن ابنه الوحيد الذي يعيش معه في هذا المنزل بعد أن قتلت زوجته وولداه الآخران تحت ركام منزلهم في غارة إسرائيلية على المدينة.
كان قلبه ينبض بقلق، وأنفاسه المضطربة تتصاعد تكاد تحرق الهواء المحيط به.  لا يدري لما كل هذا الألم احتوى قلبه في تلك اللحظات، تذكر زوجته. أطفاله.  وأجسادهم الممزقة. والحجارة تتلف أعضائهم الضعيفة. تذكر وحيده الباقي في هذه الدنيا. التفت حوله مرة أخرى. فأصوات الرصاص تخترق سكون الفجر. تبدد الظلام. وتدفع بالغيوم لتمطر ناراً.
وبعد دقيقة، اهتز البيت. وسقطت الأواني، تكسر الزجاج وتطايرت الحجارة. اسودت الدنيا حول خالد، ولم يعد يرى شيئاً، حتى نفسه، ثم شعر بألم يقتحم جسده، يمزق أضلاعه. استغرب فهو لم يسمع صوت صواريخ. وغاب عن ذهنه في تلك اللحظة، أن من يموت لا يسمع صوت الصاروخ الذي قتله. مضت بضع ثوان. وأحس خالد بأن الألم قد زال. شعر بنفسه خفيفاً كما لم يشعر من قبل. شعر أن جميع ما حوله سراب. ثم شاهد نفسه مرتدياً الأبيض. وهو من فوق ينظر إلى الدمار. شهق شهقة كبيرة. ما هذا؟؟؟؟ما الذي أراه. هذه أراضي كانت يوما زراعية ها هي وقد أضحت رماداً. أُحرقت جميع خيراتها.
والبيوت. ما هذا. ؟؟لما كلها مدمرة. كأن ساحة القتال هي مع النساء والرضع وليس على الجبهة مع الرجال. يا إلهي رأفة بالقلوب الرحيمة. لله دركم أيها الأعداء. لقد نشرتم الجثث حول المنازل. و انتشر الموت في كل مكان.
كان جاد قد ذهب عند انتصاف الليل إلى الحدود مع الشباب حيث يرابطون كل ليلة، ليحموا أرضهم ويدافعوا عنها بدمائهم الزكية. إلا أن هذه المرة، كان الليل يسحب أذيال ظلامه خوفاً بعد أن أحرقتها خيوط الشمس، في هذه اللحظات حدث أن مؤامرة ألم قد بدأ العدو ينسجها بخيوط الشمس لتشرق الدنيا بشعاع مليء بالآلام والدماء، باليتم والشقاء، كأن الموت قد خيم فوق غزة وأبى أن يغادرها قبل أن ينهي كل شعاع أمل باق فيها.
وبدأ العدو بشن غاراته الموجعة على كل مكان يتوقع أن يكون فيه ناس. لم يفرق بين مدني أو عسكري، لم يفرق بين رجل وامرأة، لم يفرق بين كبير أو صغير، فكانت أكثر المعارك  همجية بحق من يسمون بشر، لكنهم عند الإسرائيليين لا يعدون شيء. شعر جاد أنه يتوجب عليه أن يذهب ليرى والده فربما رافقه إلى القتال، فأطلق العنان لخطواته يطوي المسافات، ليصل إلى حيه، ذهل، أين المنازل، لقد  اختفت معالم المكان، جميع الأبنية العالية قد أصبحت ركاما صغيرا، الهواء يصفر في الأجواء وينشر الخوف في قلوب من يرى هذا المشهد. تأمل المشهد من جديد، يبحث عن منزله، أجل فقد أضاع بين الركام الكثير، ركام منزله، وفجأة شاهده لقد تعرف عليه، منزلٌ كان عبارة عن ثلاث طوابق أضحى في تلك اللحظات أرضا مسوية. بعد أن حولته آلة الدمار الإسرائيلية إلى حطام.
ذاك الركام حوا بين رماله جسداً طاهراً. هو جسد والده.
كان الغضب قد بلغ أوجه عند جاد. لم يجد والده. فقد أصبح تحت التراب.
ركض لا يجد لاضطرابه مستقراً. وقرر أن يحمي من تبقى في بلده.  ولا ينحني أمام رشق الرصاص. ولا يركع ولو تحت النار. أراد أن ينتقم لوالده.  لأمه الحنون. لإخوته المظلومين.  لجيرانه المقتولين.  للأطفال المتألمين.  ولكل من عاش في ذلك البلد.  لكل من شعر بالخوف ولو للحظة من صوت القذائف التي تنهمر فوق الرؤوس.
حمل سلاحه.  لقمه.  وأسرع نحو المقاتلين يشاركهم شرف القتال، كان عند كل رصاصة يطلقها يصرخ "هذه لأجل أمي. أبي". "هذه لأجل إخوتي.  جيراني.  أترابي.  أصدقائي.  أطفال بلدي.   نساء مدينتي.  للأرامل.  للأيتام. "
كان يقاتل ببسالة. وشهد كل من شاركه القتال أن جاد كان يقاتل كالأسود، لم يكن يرى حوله أو يسمع أي شيء، كل همه أن يبيد الإسرائيليين من بلده.  من الوجود.  كان يود أن يمنعهم من المضي والتقدم لدخول غزة.  فهذه أرضه. ولن يسمح للإسرائيلي أن يدنسها بدخوله.  هذه أرضه مقدسة. وسوف يحميها بدمه.  بروحه فأمامها ترخص كل الماديات.
بقي جاد يتنقل من جبهة لأخرى، من موقع لآخر، فقط كي يحقق أمنيته بأن لا يدخل العدو شبراً من أرضه، حتى أنهكه القتال، بعد أن بقي ثلاثة أيام متواصلات يقاتل، لم يرتح إلا ساعات قليلة، لم يأكل شيء، لم يفعل شيء إلا الدفاع عن أرضه، وعندما جلس أرضاً فوق التراب الذي لأجل حريته يقاتل، عندما لامس رأسه الثرى، وشم ريحه، أحس براحة كبيرة، شعر أن تعبه لم يذهب هباءً، فها هو تراب غزة لم يدنسه العدو بعد، كأن هذه الدقائق قد أعطته زاداً كي يستمر في القتال، فنهض وكله عزم على الدفاع عن أرضه إلى النصر أو الشهادة، وفعلاً رغم تعبه الجسدي، إلا أن روحه كانت تهتف بأن لا تستسلم لا تتراجع، وبقي يقاتل ببسالة. وفي لحظة انهار ذلك  الجبل الشاهق، وارتطم أرضا، محدثا اهتزازاً في الأرجاء، عبر ارتداداته علم الأبطال أنهم فقدوا رجلا من أشجع الرجال، فعصفت السماء تشارك الأرض عزائها بأسد من الأسود. واشتدت الريح تبكي على بطل لم يذهب حتى دافع عن كل شبر في أرضه.
ومضى ذلك البطل نحو السموات بعد  أن أركع العدو عند حدود بلده، وبدمائه الطاهرة سقى عطش التراب. وارتفع نحو الملكوت يشارك الأنبياء والصالحين درجاتهم في الجنان. 
..............
قصتي الفائزة في مسابقة القصة القصيرة للكاتبة خولة القزويني لصيف 2010

سلعة..أم حرمة جسد





فوق المنصات الصامتة تتمايل تلك الأجساد الصارخة بزيها، الخرساء بمظهرها.
 تهتز الأرض لصدى أحذيتها المترفعة عن لمسات المسارح.
تترنح يمينا شمالا،تختال بمشيتها،تقف،تستعرض،تدور،تذهب،تجيء،ثم بعد أن تشبع منها العيون،والأضواء والكاميرات نهبا لأنوثتها وجسدها الهاتف،الصَّادي، المتعطش لمزيد من أضواء الشهرة، تعود أدراجها وتختلي بخليلتها المرآة، التي تعرض صراع نفسها وذاتها منادية للحشمة والسترة عن الأعين.
 خلف فلاشات الكاميرات المتلألئة بلا انقطاع عليها، نسيت أن لجسدها حرمة يجب أن تسترها عن نهم العيون.
 نسيت أن جسدها مقدس، والشيء المقدس لا تراه كل العيون. أغفلت عن أن جسدها عبارة عن وردة لا يسمح لأي كان بلمس رقتها، أو شم عبيرها، لأنها مع الوقت سوف تفقد رونقها ،أسرع من تلك الوردة المحصنة ،فتذبل بعد حين ولا يعود يعجب بها أي أحد وترمى كما ترمى الوردة بعد ذبولها .
نسيت أن تستر أجزائها الخاصة وانطلقت تعرض جسدها العاري أمام العيون المتعطشة للأجساد .
عجيب كيف لا يخطر في بالها أن هذه الأجزاء ملكها الخاص!! أَوَلا تتضارب أفكارها لتوحي لها مدى حقارة أن يُستَرَق النظر إلى خاصياتها !!
هل نسيت أم تناست أمام جمال المظاهر و الأضواء الساحرة أن قدسية العفة –عفة الأنثى- أرقى من أن تدنسها تكدسات الأموال وعيون المتفرجين..
 عارضة الأزياء هي تلك الزهرة اليانعة التي نهبت العيون أريجها العذب الفواح فأطفأت فيها الحشمة و العفة ظنت أنها عبر تصديها للحشمة والسترة تكون قد تحررت من القيود ،لكنها لا تعلم أنها قد كبلت نفسها بسلاسل أخرى ،وقيود أخرى ،هي تلك العيون التي تلاحقها كيفما تلفتت. 
وتأكد الدراسات الألمانية أن عارضات الأزياء لسن أسعد البشر، رغم ما يتمتعن به من جمال و مال حيث أنهن يتنقلن كثيرا فليس لديهن إلا علاقات سطحية ناهيك عن الأخبار التي نسمعها عن انتحار العديد منهن بسبب اليأس والكآبة والحميات الغذائية القاسية. وأثبتت الدراسات أنهن يملن إلى عدم الشعور بالثقة بالنفس علاوة على كونهن أكثر تعرضا للضغط النفسي ومن ثم إصابة بعضهن بانهيارات عصيبة أو مشاكل نفسية.

 لم تكن تلك المتبرجات العارضات لأعراضهنّ وشرفهنّ وأجسادهنّ تدركنَ معنى الستر والعفّة والحشمة كي تحافظن عليها. اتّبعت كلّ واحدة منهن شهواتها وما يُسعد قلبها ويؤنس روحها. فَنَسيت أنّها "أنثى" أي بمثابة الوردة التي وَجبَ أن تحافظ على أوراقها من اللمس الجائر الذي يذبلها.. وعلى رونقها من العيون الحاقدة الحاسدة التي تقتلها. 

.........
مقالي الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقة الكاتبة الكويتية"خولة القزويني" لربيع 2010

أشواق المقابي..فراشة خارج القضبان








بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف
...................................................................
الإسم:أشواق محمد حسن المقابي
المنطقة:البلاد القديم
تاريخ الميلاد:  ٢٥ - ١١ - ١٩٩٤
العمر:17 عاماً!!!
الوضع:أسيرة..
التهمة:التجمهر في مجمع تجاري..!!
مدة السجن:ستة أشهر
............................................
حضنُ الأمومةِ دَأبهُ يشتاقُ
والليلُ حُزنٌ .. أدمعٌ، وفراقُ
الشمسُ إن غابتْ، لها إشراقُ
فمتى تعودُ لأمّها "أشـواقُ"؟!
...............................................
في عالمٍ انقلبت فيه كل الموازين،أصبح القانون في الدولة  يعاقب المطالبين بالإصلاح والتغيير نحو الأفضل،ويترك المجرمين يسرحون في البلاد ليخربوا وينهبوا،وقد يصل إلى حد ان تكون هذه الانتهاكات تحت حمايتهم!!!(إشارة إلى المدنيين الذين كانوا يحملون السيوف أمام عيون الشرطة..ولم يفعلوا شيئاً لهم..!!)
في عالمنا القاسي هذا،ولدت طفلةٌ ملائكية لسوء حظها وسط هذه الآلام...
ولدت مثقلةً بمرضٍ وراثي مرهق.يدعى فقر الدم المنجلي (السكلر) حيث قدر لها أن تولد مصابة بالنوع الحاد من هذا المرض،،الذي يستوجب في بعض الأحيان علاجاً يومياً .وهي بحاجة لعناية خاصة. حيث أن مرضى السكلر يتأثرون بسوء التغذية والاجهاد والحالة النفسية وبرودة الطقس..!!

إنها أشواق المقابي،ذات الـ 17 عاماً،وهي طفلة بحكم القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها بلدها البحرين..وعليه يجب أن يكون لها حماية وفق الاتفاقيات الدولية ...!!
هي طفلة عادية ككل الأطفال،تحب الرسم،والكعك المحلى...تحلم بمستقبل واعدٍ وأيامٍ زاهرة...تحمل وجهاً جميلاً..يزدان بهالة براءةٍ تضيف له مزيداً من الهدوء..لها صوتٌ ناعمٌ هادئ ورقيق جداً..
 رغم مرضها الأليم إلا أنها احتملته محتسبة إياه أجراً وغافراً لذنوبها عند بارئها..
وانتقلت نحو محاولة تغيير شيء آخر في حياتها..محوَ الظلم الذي تتعرض له البحرين،بلدها الحبيب منذ مئات السنين..
أشواق، طالبة متفوقة في دراستها،في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية،
عضوةٌ في جمعية البحرين لرعاية مرضى السكلر.(إلا أنها الآن لا تجد من يراعي مرضها..)
وبالرغم من مرضها الذي يقعدها أياماً طويلة في المستشفى إلا أن لها العديد من النشاطات الاجتماعية التي تخدم منطقتها..
............................................
آمنت أشواق بالثورة..وأيقنت أنها الحل الوحيد لضمان مستقبلٍ واعدٍ لها..ولكل البحرانيين الشرفاء..مستقبلٍ يحمل معه الهدوء والسكينة لبلدٍ هزّه اللاإستقرار منذ أمدٍ بعيد.
وعبّرت عن تضامنها مع شعبها بالمشاركة في المسيرات،وتلبية نداء الجميعات للمشاركة في الفعاليات التي كانت تدعم الثورة،و عبر التواجد في دوار اللؤلؤة..ذلك الدوار الذي كان الشاهد الأول على المطالب المشروعة والمنطلق للتعبير عن ثورة شعبٍ سلمي..ذلك الشعب الذي جُل ما أراده الحصول على الكرامة والعزة..الكرامة التي تضمن له بقاءه كإنسان محترم على وجه الكرة الأرضية..
إلى ان كان يوم 23 من سبتمبر 2011..كان يوماً عادياً بالنسبة لأشواق و بقية الفتيات.. لم يردن غير التعبير عن رأيهن بالمطالبة بالحرية...
خرجن من منازلهن، مطالباتٍ بحقوقهن المسلوبة، ولم تظنّ إحداهنّ أنها لن تعود إلى منزلها... بعد أن تُسلب منها حريتها..
 لم تعلمن إلى أين تتوجهن، أردن فقط .. الالتحاق بأي مسيرة،وكانت  الوجهة..مجمع السيتي سنتر...
اتخذ المتظاهرون من الطابق الأرضي مكاناً لإطلاق صرخاتهم المكبوتة منذ تهديم الدوار(أقدمت السلطات البحرانية على هدم دوار اللؤلؤة بتاريخ 18 مارس 2011..)أما  الطوابق الأعلى فكان فيها موالون للنظام،كانوا يصرخون بهم،يرمون قناني الماء عليهم،يشتمونهم،ويبصقون عليهم...ولكن المتظاهرين السلميين لم يبالوا بل أكملوا هتافاتهم..
مر وقتٌ قليل قبل أن تأتي الشرطة..وتدخل المجمع ،كانت اصوات احذيتهم مرعبة منظمين ومدربين جميعهم يضربون الارض في دفعة واحدة.. والضباط يصرخون باعلى اصواتهم انطلقواا .. اهجموا..!!! .وهجموا على المتظاهرين وأخذوا يدفعونهم بأسلحتهم ويصرخون في وجوههم.
سحبوهم من أيديهم بعنف مفرط،،ومن تلك  اللحظة  توالت الهجمات بالضرب والركل والاهانات الشخصية والسب والشتم وسب الرموز والمذهب الذي ينتمي إليه المتظاهرون.(وتذكر أشواق بعد الافراج عنها أنهم طلبوا منهن سب الشيخ عيسى قاسم والسيد حسن نصر الله بكلمات"بذيئة جداً.).جروهن إلى خارج المجمع وأوقفوهن صفاً واحداً ليكونوا فرجة للسيارات،وقام المارة بتصويرهن،والبصق عليهن وشتمهن،والتصفيق للشرطة على عملها  البطولي ..!! ألا وهو الإستقواء على الفتيات..!!كانوا يجبرونهن على رفع وجوههن وعدم إشاحة نظرهن امام المارة،وإلا يتم صفعهن بقوة..
تم اعتقال أشواق من مواقف السيتي سنتر،عندما حاولت وقريناتها الفرار من أيدي الشرطة،و رش وجهها بغاز مخدر وألقيت على وجهها على الارض وتم تكبيل يديها بالحديد (الهفكري) من الخلف لمدة ٣ ساعات تقريباً وبشكل مهين. وأما الذي يدمي الأعين،أنه عندما كانت الأسيرات مرميّات على الأرض في مواقف السيتي سنتر،كنّ يتلقين الرفس والركل من قبل..رجال الشغب..!!!وهناك من يزال يحاول إقناعي أننا في دولة إسلامية..!!!
كذلك لم يسمح لهن بالأكل ومُنعن من استخدام دورة المياه والصلاة..
أما المؤلم أكثر.. فهو جلوس إحدى الشرطيات العريضة القامة الثقيلة الجسم على ظهر أشواق : على ظهر طفلة مصابة بمرض السكلر لتقيّد يديها  بالهفكري والجميع يعلم أن هذا المرض يجعل من جسم المريض ضعيفاً لا يحتمل الثقل،والتعذيب.وحتى ان عظام المريض تكون هشة وضعيفة..!!
..أجلسوهن على الارض في لهيب الشمس اخذوا بتصويرهن بهواتفهم الشخصية والاستهزاء بهن، اتى عدد من الرجال المدنين وصوروهن ايضا وقاموا باخذ اسمائهن .. كل فتاة يتم اخذ اسمها تتلقى الصفعات والضربات والركل والشتم ...وبقين على تلك الحالة أكثر من ثلاث ساعات..
هذا كله..وأشواق الطفلة الصغيرة ذات الجسد الضئيل تصارع عشرات الآلام..
رغم تعرضها للصفع والركل إلا أنها كانت تبكي لأجل أن يعاد إحكام حجابها ..وإغلاق عباءتها فيما يداها مقيدتان بشدة حد الازرقاق...

بعد ذلك تم نقلها ومن معها من مركز المعارض ،إلى مركز الحورة فمركز النعيم ثم في منتصف الليل إلى النيابه العامة ..
وهنّ يتنقّلن في الباصات من مركز إلى آخر، كانت أشواق ،كغيرها من الأسيرات، تُضرب ويُهدد حجابها بالنّزع، وتُصوَّر بالهواتف وتُرغم على شتم وسبّ رموزها وإلقاء النّشيد الملكي...!!
لا أدري بالضبط المشكلة والعقدة النفسية التي يعاني منها الملك وأتباعه،حتى يجبروا الأفراد على غناء النشيد الملكي.؟!! سامحوني ولكن حاولت البحث في كتب الأمراض النفسية ولم أجد لهذا المرض إسماً ..ربما كان حمد واتباعه هم السبّاقون لمثل هذا المرض،وسنسمع في المستقبل القريب عن هكذا مرضٍ يُعرَّف باسمهم..!!


كانت أشواق في الدفعة الثانية التي تم اعتقالها من السيتي سنتر..تم نقلها من مركز شرطة لآخر حيث ظلت واقفة لساعات ومنعت من الجلوس،والتعب والإرهاق والأنين من ألم القيد زاد ثقلاً جديداً فوق  كاهلها، ثقلاً يضاف إلى ثقل المرض .
 وفي مدينة عيسى زُجَّ الجميع في زنزانة واحدة ، أمّا أشواق فكانت كالمحتضرة، وجهها شاحب  وعيناها صفراوتان والبرد الشديد يسري في جسمها بعد أن عمدت السجانات على رفع درجة برودة التكييف بهدف إيلام الأسيرات..
أُغمي على أشواق، فسارعت الأسيرات إلى الشرطة النسائية  وأخبروها بوضع أشواق الصحي، حتى تفعل لها شيئاً،عندها ربما مخافة أن تموت عندهم وليس رحمة أو رقة قلب، اتصلت الشرطة بالاسعاف ونُقِلت أشواق إلى المستشفى ومن ثم أرجعوها إلى النيابة فجرا حيث تتواجد أختها (عقيلة المقابي) وابنة خالتها(فاطمة الجشي) والأسيرات الأخريات وتم التحقيق معها دون السماح لها بالاستعانة  بمحامٍ ولاحتى  بالدفاع عن نفسها.. حوكمت أشواق بسرعة البرق..ولم تتوفّر لهم أدلة لإدانتها..وعندما سألها المحقق عن سبب تواجدها في السيتي سنتر أجابت : "أُطالب بإطلاق سراح إبن خالتي ناصر الجشي هذه هي تهمتها إذاً : المُطالبة بالحُرية والديمقراطية..فزُجّت في السجون الخليفية.
..................................
وهناك .. في السجن .. خلف الجدران الباردة القاسية، حيث سوء التغذية وقسوة المعاملة التي لم ترحم طفولة أشواق، ولم تأخذ بعين الإعتبار وضعها الصحي، كانت تنتاب أشواقاً نوبات السكلر فتُقلّ إلى المستشفى بدون جدوى ..
كانت تتنقل بين كانو و العسكري و تعود منتكسة نفسيا من سوء المعاملة و تذمر الشرطيات المرافقات..
كانت أشواق تبكي وتطالب بالذهاب إلى مستشفى السلمانية لخبرتهم في مرض السكلر، فيداها ثُقبتا من كثرة الحقن بلا جدوى... ولكن لا من مجيب.
إحدى الأسيرات  المحرّرات قالت إنّ الشرطيات كن بلا رحمة فاقدات للإنسانية إذ كلما تأوهت احدانا ضحكن وقلن لها اصرخي اكثر تالمي اكثر موتي..!!!
وتذكر أشواق(بعد الافراج عنها) أنه عندما ضربت أبلغتهم أنها مريضة بالسكلر ..فقالوا:"عساك الموت..إلا نوديك لأمك جثة.كلكم ولاد حرام.."وهذا كلام لن تنساه أشواق أبداً..
يخطر في بالي سؤال واحد يؤرقني...ما هذا الحقد الذي وضع في قلب الشرطيات..ليدسن على بطنٍ امرأة حامل،ويضربنها حتى تسقط جنينها..وأي قلبٍ  يملكنه حتى يعذبن فتاة صغيرة  فيغمى عليها..وأي مشاعرٍ إنسانية منتزعة من داخلهن حتى يسمعن أنين طفلة مريضة..ويستمتعن بصوتها وصريخها.!!

في التاسع والعشرين من سبتمبر أي بعد أسبوع واحدٍ على اعتقالها، أخلي سبيل أشواق بعد أن أرقها الألم والتعب متأملة عودتها إلي حياتها الطبيعية ولكن سرعان ماتبدد الأمل حيث     وصلها وهي ترقد على سرير المرض في مشفى السلمانية، صدور حكم بسجنها ستة أشهر. طلبت محامية أشواق(ريم خليفة) من القاضي وقف تنفيذ العقوبة في نفس يوم نطق الحكم فقوبل طلبها بالرفض..
أما المضحك المبكي،فهو التهمة التي وجهت لتلك الطفلة...فقد وجهت لها تهم تحريض على كراهية النظام والتجمهر والاعتداء على الشرطة !!!
كانت أشواق تقضي أوقاتها بانتظار قدرها وهو الاعتقال، وقد تلقى أهلها اتصالاً من مركز شرطة المعارض يطالب بتسليمها في نفس يوم النطق بالحكم لكن أهلها أجابوا بأن أشواقاً ترقد في المستشفى فطلب المركز إفادة تثبت ثم اتفق مع إدارة المستشفى بتبليغه  فور ترخيصها لأشواق بالخروج.
واتى اليوم الموعود الذي اعتقلت فيه أشواق مرة أخرى ولكن من على سرير الألم..
في 20 نوفمبر اعتقلت من المستشفى وسط دموعها وأنّاتها التي أبكت الصخر ولم تحرك ذرة مشاعر في قلوب أشباه البشر الذين جروها من فوق سريرها الأبيض ليرموها فوق أرض السجن الباردة..
لم يرحموا طفولة..ولا مرضاً..ولا جسداً نحيلاً يئن تحت وقع الآلام..وصرخات الركلات..
لم تتحمل أشواق أجواء السجن فسرعان ما أرجعت إلى المستشفى في نفس الليلة لانتكاس صحتها وتدهورها..
والى يومنا هذا ترقد أشواق في المستشفى مع تواجد حراسة امنية عليها...!!!و هم يضعون لها المصل المتصل لجسدها (السيلان)في قدمها وذلك لأنه لم يعد يوجد في يدها مكان لم تغرس فيه إبره..!!!
وهكذا تعيش طفلتنا أشواق..بين ألالام مرضها وألام فراق الأحبة وآلام قيدٍ يجعلها أسيرةً...
........................................
أتعلم ما هو اصعب موقف في حياتك؟؟!! هو أن تسأل طفلة،عن إحساسها يوم علمت باعتقال صديقتها..!!
كنت قاسية بحق حين طرحت هذا السؤال على  صديقة أشواق،وشعرت بعقدة الذنب،ولكني لم أجد حلاً آخر...كنت أريد أن أكتب شيئاً هذه المرة ليس من بنات أفكاري ولا من خيالي الثوري..
أعتذر عزيزتي،ليس سؤالي هو ما أدمع عيونك..بل جوابك هو الذي قطع نياط قلبي..
حين سألتها صفي لي إحساسك يوم اعتقلوا أشواق..اعتذرت عن الاجابة،وتألمت وقالت:سؤالك الأخير أوقف شعر بدني،وأبكى عيوني..أيحتاج أن أجاوب عنه؟؟
رغم قساوة الموقف،ونداوة الكلمات التي ترشح دمعاً،تعالت على آلامها وأجابت:
كان من أسوء الأيام في حياتي،كنت مصدومة جداً،وكأني في حلم..كنت اتذكر ابتسامة أشواق براءتها وضحكتها،ولم أستطع تصور كيف حصل لها كل هذا الألم،-وهي الفتاة التي يؤلمها الهواء البارد إن مر قربها-في فترة الأسبوع الأول من الاعتقال،كنت دائما ما أبكي لأجلها..بقيت أنام وأقعد،وأنا أفكر في وضعها،والمؤلم أكثر، صورتها والأسيرات مرمياتٍ على وجوههن في مواقف السيارات.."
وهو مشهد لا بد أن يبكي كل إنسانٍ يملك ولو ذرة  إنسانية ولو ذرة إحساسٍ ومشاعر .. المشهد الأكثر إيلاماً ووجعاً لقلب الشيخ عيسى قاسم مشهد الحرائر المكبلات في باركات السيتي سنتر.
بجرم ترديد هتافات سياسية داخل مجمع تجاري... والمشاركة في مسيرة غيرمرخصة والتجمهر في مكان عام!!

فلترتفع الأصوات..ولتصرخ شوقاً لأشواق..حنيناً لذلك الوجه البريئ..لتلك الابتسامة الرقيقة..وذلك القلب الكبير..
كل القلوب تشتاق إلى الأسيرة أشواق .. (شعار مسيرة البلاد القديم)
"أشواق علّمتني دروساً لم أكن لأفهمها حتّـى نهاية الحياة، فهي رغم الألم الذي تعانيه ،ابتسامتها لا تفارق محيّاها ولا زالت صامدة"

وهكذا تقبع اليوم 12 فتاة وامراة..بنات وامهات..خلّفن  وراءهنّ أبناءً يشتقن لهن ..في سجون لا ترحم طفولة..ولا تشفق على أمومة..
...............................
قبل النهاية:
تقول لميس ضيف:"بالنسبه لنا المعتقل شخص نتألم لذكره..نبتهل له ثم نسهى. اما لاهله فغيابه سكين مغروسة في الكبد لا يهدأ ألمها ولا يستكين.."
فلا تنسوا الأسيرات..ولا تنسوا أنه هناك قصصاً أكثر ألماً لو قدر لأحدنا كتابتها،لتحطم الصخر من قسوتها..
...........................
إلى هنا..تنتهي كلماتي..سألملم أوراقي..أخبئ أقلامي..أمسح دموعي..وأحزم امتعتي وأغادر..مهمتي تمت هنا..وبقي بضع توسلات في قلبي..سأقولها من قلبي لأشواق..:
سامحيني أشواق،فقصتكِ لم تكن الأولى الأليمة التي كتبتها،ولكنها كانت الأكثر إيلاماً،لأن ألمكِ مازال مستمراً..وامام عيون جميع العالم،واسمكِ يتردد يومياً أمامهم،يتوقفون عنده ليس أكثر من عشر ثوانٍ..ويعودون للرحيل...
أرجوكِ سامحيني،لم أستطع فعل أكثر من هذا لأجلك..اعتدت دائماً أن اكتب آلام الآخرين...ولكن لم ادري السبب الذي جعل ألمكِ يحيرني إلى هذه الدرجة..!!
سيأتي اليوم الذي تغادرين فيه سجنكِ..وسيعلم الجميع حينها..أنكِ أنتِ الوحيدة التي كانت حرة...وهم كانوا الأسارى..
 2-1-2012
................

ملحق:
في تاريخ 4-1-2012 وبعد تقديم الدفاع وتقديم تقرير طبي مفصل عن حالة أشواق من قبل النيابة تقرر وقف تنفيذ العقوبة وإخلاء سبيلها في ذات اليوم..وسحبت الحراسة عنها من السلمانية..وبقيت في المستشفى لتلقي العلاج من مرضها..
وفي تاريخ 7-1-2012 خرجت أشواق من المستشفى إلى منزلها..واستقبلت بحشود غفيرة..
استقبلت بالورد..وهي ترفع علامة النصر..
ورددت أن فرحتها غير مكتملة،ولن تكتمل إلا بالإفراج عن جميع المعتقلات،وذكرت كم أن فراق الأحبة صعب..وكم السجن قاسٍ..وتمنت أن لا ينسى الناس من يعاني ويقاسي داخله..
قرة العين..هنيئاً لك حريتك..وإن شاء الله الحرية لباقي المعتقلات قريباً جداً...
 ......................
كلمة أشواق المقابي بعد الإفراج عنها.