بسم الله رحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف..
.....................
بطاقة الهوية:
الإسم:عبد الكريم علي أحمد فخراوي..
تاريخ الميلاد:20-1-1962
المهنة:رجل أعمال
تاريخ الاستشهاد:11 أبريل 2011
طريقة الاستشهاد:تعذيباً في السجون الخليفية..مع ادعاء السلطات أنه قضى بسبب الفشل الكلوي..!
..............................................
بحرين...وطنٌ تلطخت أرضه بدماء أبنائه..
وطنٌ..اكتظت سجونه بأبطاله..
وطنٌ..سقت صحراءه دموع أيتامه..
وطنٌ.ملأت جدرانه صرخات سكانه..
.........................................
من ذلك السجن..ومن خلف تلك الجدران الباردة..أتت قصتي..
من دموع أطفالٍ..وشجاعة أرملة..صغت كلماتي...
بخيوط من دماء نسجت عباراتي..
وصرخات مكبوتة..تنزف دموعها بين أسطري..
...............................
البرد هنا شديد..وأنا لوحدي مع أقلامي ودفاتري..
وصوره..صور ذلك البطل الذي ذهب إلى الموت بقدميه..
صور ابتسامته..وضحكته المحببة جداً...
وكنت لا أزال أبحث بين الصور..
حين باغتتني تلك الصورة الأليمة..
حيث أصبح لجسده لون آخر..
واختفت ضحكته خلف تعابير الألم...
وأغمضت عيناه للأبد..!!!!
وانمحت صورته التي تزرع في القلوب السعادة..
لتأتي تلك الصورة التي تملأ القلب ألماً..وتذرف دموع العين...
كان أهله خارج المنزل...حين اقتحم البلطجية الدار وعبثوا فيها..
لم يدعوا شيئاً مكانه..
وَعَدَ زوجته بأنه سوف يصلح لها كل شيء..
كان مرتاحاً..هادئاً على عكس عائلته..هدأ روعهم قائلاً: اهدؤوا فأنا لست خائفاً..بل ما يسعدني أنهم اقتحموا المنزل في غيابكم...
رغم كل شيء..كان همه فقط..أن لا يشعر أطفاله بالخوف والرعب...
ودّع بناته الثلاثة...
ابتسم..
وغادر...نحو مصيره المجهول..
نحو مركز الشرطة..
......................
لأول مرة لن تبدأ قصتي من البحرين، لن تبدأ من الأرض، بل ستنسج لحظاتها الاولى في السماء..يد ترتفع نحو العلياء،وقلب طاهر نقي ، وعينان تفيضان دمعا .. حبا .. وعشقا لله، وشفاه ترتل الدعاء بحضرة المعصوم"اللهم ارزقني الشهادة"..
بطل قصتي هذه المرة بطل استثنائي، إنسان لم يعش يوما في بلد واحد أو مكان واحد، بل عاش في بلدان وأماكن شتى في آن واحد!!! كيف ذلك؟ لأنه كان يعيش في قلوب محبيه الكثيرين!!!
..........................
"إلى متى سيتسمر الوضع بهذا الشكل يا أبتي؟؟لقد تعبنا!!"
ابتسم عبد الكريم، وقال بصوته الآمن:
الصبر جميل، سننتصر ولكن بعد تقديم المزيد من التضحيات..!!!
....................
منذ صغره كان يحب القراءة والأدب، دخل باكراً معترك الحياة العملية بالعمل مع والده وإخوته، لكنه أبداً لم يترك مقاعد الدراسة الجامعية..
وفي العام 1984 أسس أول مكتبة ثقافية، باسم مكتبة فخراوي..حيث طورها إلى دار نشر وترجمة وتوزيع..وانطلق في مجال الدراسات البحثية ورعاية الإعمال والفعاليات الثقافية..وانطلقت المكتبة من بيع الكتب إلى توزيعها وطباعتها وترجمتها في نهاية 1999.
انطلاقاً من شعاره(ثقافة القراءة)اجتهد فخراوي وراهن على التقدّم وكانت له مشاركات واضحة وفعالة في معارض الكتاب الدولية التي تقام في البحرين وخارجها[1]. لم يقتصر اهتمامه على الكتب الدينيّة ومؤلفات المحافظين، بل نوّع في المجالات وفتحَ قسماً خاصاً بالأطفال. الشهيد فخراوي كان له دور بارز في تأسيس (جريدة الوسط) , حيث كان من أول المساهمين الذين عملوا بجهد وساهموا في إبراز تلك الجريدة اليومية السياسية المستقلة.
كريم فخراوي هو صاحب شركة ( مقاولات فخراوي )، التي تعد من شركات المرتبة الأولى في هذا المجال, حيث عمل في عدة مشاريع من أهمها بناء مشروع السفارة العراقية وبيت السفير اللذين أشرفا على الإنتهاء، وكان قد فاز بمناقصة بناء السفارة القطرية في البحرين قبل إستشهاده بفترة قصيرة .
....................
كم نشرت كتباً يا عبد الكريم..ولكنك بالتأكيد..ما ظننت يوماً أن الكتب سوف تكتب عنك أنت..
عن علمك..وانفتاحك..
سوف تذكر أنه في هذا العالم..وجد يوماً أبٌ حنون..أبٌ لعشرات الأبناء..لم يكونوا من صلبه..
لم يعرفوه ربما إلا بعد ارتحاله..
لكنهم بكوه..!! بكوه ...
وهو ينظر إليهم من السماء.
يطلب منهم مسح الدموع..
صحيح أن التعذيب آلمه...ولكن هذا الألم..جعله من الشهداء..الذين ينعمون في الأعلى.
....................
الزمان: مساء يوم السبت الموافق الثاني من شهر أبريل لسنة 2011
المكان:منزل ابنة الشهيد القريب من منزله ، قرية كرباباد.
في ذلك المساء..ذهب الشهيد وزوجته وطفلتاه في زيارة عادية لمنزل ابنته..الجو لطيف، لا برد ولا حر شديد..
تبدأ القصة من اتصال مفاجئ..!!!
عند الساعة الحادية عشر والنصف مساءً رن هاتف الشهيد..وبان التعجب عليه...حيث كان الاتصال من رقم منزله..على الرغم من خلو المنزل في ذلك الوقت من أي أحد..
واتضح أنه كان جهاز الإنذار..
وبعد وقت قليل،اتصل الجيران ليسألوا إن كانت العائلة بخير،حيث أن المنزل محاط بعددٍ كبير من سيارات وقوات الأمن..وأصوات التكسير تتعالى في المنطقة..
في هذه الأثناء أحست فاطمة ابنة الشهيد بحركة غير اعتيادية خارج المنزل،وما إن ذهبت لتتفقد الأمر حتى رأت سيارات الأمن تحاصر المنطقة..
كان يخيم على المنزل الخوف والترقب ...ما عدا عبد الكريم..الذي كان هادئاً..وأكد أن لا علاقة له بأي شيء..وقرر أن يذهب في الصباح لمركز الشرطة ويستطلع سبب اقتحام منزله..
جلس الشهيد يوصي أهله..ويهدئ من روعهم..خصوصاً أن للشهيد طفلتان واحدة عمرها 13 والثانية 9 سنوات.
وبعد ذهاب الجميع للنوم..فرش عبد الكريم سجادة الصلاة..وتوجه لله تعالى متضرعاً..
صلى صلاة الليل..حتى حان موعد صلاة الفجر فأداها..
أشرقت الشمس في صباح يوم الأحد الموافق للثالث من شهر أبريل..وقد عزم عبد الكريم على الذهاب لمركز الشرطة لتقديم بلاغ باقتحام منزله.. ودع أهله...واصطحبه السائق(قبل ذهاب الشهيد لمركز الشرطة اتصل بمحاميه واستشاره)
لم تمض أكثر من نصف ساعة وإذا بعبد الكريم يطرق باب المنزل عائداً..فرحت أسرته بعودته..واستفسرت منه عن ما جرى.. فأخبرها أنه حين وصل إلى هناك. قال للشرطة أنه يرغب في تقديم بلاغ باقتحام منزله،فسأله الشرطي:هل تتهم رجال الأمن؟ فرد الشهيد:جئت إلى هنا لأني أجهل سبب اقتحام منزلي..فمهما كان السبب فأنا موجود هنا..فأخبره الشرطي أنه بإمكانه الانتظار أو الذهاب والعودة لأنهم بحاجة الى نصف ساعة لإجراء بعض الاتصالات..فآثر العودة بعد نصف ساعة..
وعاد إلى منزل ابنته ، وحكى لهم ما حصل..ومن ثم عاد إلى مركز الشرطة مرة ثانية..
وقبل ذهابه..وعندما ودع عائلته..كان هو..وهم..متفائلين بعودته..
ولكن للأسف الشديد..ذهب عبد الكريم..ذهب ولم يعد..!!!
بعد انقضاء ساعتين..رجع السائق والدموع تملأ عينيه..وأخبر أسرة الشهيد أنه بعد انتظار دام أكثر من ساعة..أتت سيارة أمن من خارج المركز، سرعان ما ترجّل منها أفرادٌ مقنّعون ..فكبلوا يدي عبد الكريم..وأمروا السائق بالذهاب، فيما ذهبوا هم وأخذوا عبد الكريم معهم..
في عصر ذلك اليوم..أخذت ابنة الشهيد آلة التصوير وذهبت إلى المنزل لتقوم بتوثيق ما فعلوه بالمنزل بعد اقتحامهم له قبل ليلة..
حيث كان المنزل مقلوباً رأساً على عقب،كل شيء محطم.
الأمر المدهش أكثر تكسيرهم للتربة الحسينية..
حيث أنه كان هناك كمية كبيرة منها على الطاولة في غرفة الجلوس..ولكنها أصبحت بعد دخولهم منتشرة في المنزل،ومهشمة تماماَ..
وهذا وإن دل على شيء..فقد أكد على أنهم حاربوا شريعة الشيعة..وليس الشيعة أنفسهم..
ورغم كل الفوضى التي أحدثوها في غرف بنات الشهيد والهواتف والحواسيب التي سرقوها،والثياب التي بعثروها، إلا أنّ غرفة الشهيد كان لها النصيب الأوفر من فوضتهم العارمة تلك، حيث عبثوا بأوراقه الخاصة المتعلقة بفحوصات المستشفى..وسرقوا جميع العطور المتواجدة في الغرفة ..والمضحك..أنهم أخذوا العطور وتركوا العلب الفارغة !!
في مساء ذلك اليوم،ذهبت زوجة الشهيد وبناته إلى مركز شرطة السنابس وهو المركز الذي اعتقل منه،سألوا عنه،فأنكروا وجوده عندهم..وأصروا أنه لم يحضر أحد باسم عبد الكريم فخراوي إليهم..فسألت العائلة عن البلاغ الذي قدمه الشهيد،فلم يجدوا عندهم شيئاً يخص هذا الموضوع..
مرت الأيام وعائلة عبد الكريم فخراوي تعاني ألماً قاسياً.. في إنتظار إتصال أو خبر عن مكان تواجده وعن حاله.
......................
من تلك الغرف الموصدة تستمر روايتي للألم .
سأكتب عن قلبٍ كبيرٍ يفيض بحبٍ وإيمان..
سآخذكم معي إلى مسرح الأحداث،إلى الغرفة التي شهدت تعذيب والدٍ حنون،
زوجٍ عطوف،وإنسانٍ بكل ما للكلمة من معنى.سأحدثكم عن أرضٍ تلونت بقاني الدماء!!
عن سجن عُرِفَ بالقسوة، عن جلادٍ لم يعرف معنى الإنسانية يوماً،
ولن أنسى طبعاً أن أشير إلى بطل حكايتي ،إلى السجين الذي لم يعرف غير الإبتسام والوجه البشوش...
هناك، حيث لا تسمع سوى الشتم من جلادٍ، وتكبيرٍ من أسيرٍ، وآهاتٍ من معذب..
لا أدري كيف كان ينظر الجلاد إلى عبد الكريم..ويمعن في ضربه..كيف أمكنه ذلك.. جمال روحه ووجهه .. جعلني أقف وقتاً طويلاً أمام صورته..كيف بمن شاهده أمامه...!!!!
ولا خيارللقلب إلا أن يبكي إحتراقاً عند تخيّل الصورة في غرفة التحقيق .. كيف لا والضحية عبد الكريم فخراوي قبالة جلادٍ يتلقى تعاليمه ويتشرب أحقاده من قادةٍ تعودوا على سفك الدماء.
كلّ البطش الجسدي، والعَمى الطائفي، والهمجية التاريخية انهالت على فخراوي،
وتركت في ضمير شعبه ندوباً لا تمحى.
و في قلوب بناته أهاتٍ لن يوقفها الزمن..
وجرحت جسده بآلاتٍ حادةٍ جعلت روحه تكره الدنيا، وتشتاق للأعلى .
هناك..حيث لا ظلم..
هناك..حيث لا ألم..
هناك..حيث السعادة الأبدية في جنان الخلد..
في تلك الزاوية الصغيرة،حدث الألم.
صرخة عمّت الأرجاء، قابلتها تمتمات جلادٍ مرتعب،فيما بقي الجسد يرتعش تحت وطئ السياط، ترافقه أنّات خافتة من قلبٍ تشبّع بالألم،
همسات التكبير الصادحة في الخارج أججت غضب الجلاد،
فما كان منه إلا أن صب نار حقده على جسد عبد الكريم،الذي لم تسعفه الثواني ليفتح عينيه لآخر مرة..
فقد رحل مغمضاً عينيه عن ألمٍ عظيم..
رحل ولن يفتح عينيه مجدداً ليرى الجدران السوداء،والأرضية المليئة بالدماء،
ووجوه الجلادين الخالية من أية تعابير إنسانية..ولن تلتقي عيناه بعيونهم الباردة الجامدة..
رحل،وقد علت ثغره بسمة خفيفة فيها اطمئنان وأمان..
فيها تسليم،وعشق للوصال..!!!!
..................
أغمضت عيوني في محاولة لتخيل آخر اللحظات من حياة عبد الكريم، وأنا أستمع لصوت أسير سابق، يروي آخر لحظات للشهيد فخراوي:
في أحد الأيام بينما كنت موقوفا مصمد العينين مكبل اليدين من الخلف كنت لا أرى إلا قدميّ وأقدام من يمرون بالقرب مني بسبب الصمادة،كنت أسمع صراخاً من غرفة التحقيق،حيث كانوا يعذبون شخصاً لم أكن أعلم من هو..ولكن كان صراخه يصل إلينا ونحن كنا في ممر سرداب القلعة.
فجأة توقف صراخ المعذب،ولكن صراخ الجلادين استمر،خرج أحد الجلادين ونادى زملاءه الآخرين طالباً منهم المساعدة، وذهبت مجموعة،فسمعتهم يصرخون به : "
قوم وقف قوم وقف لا تمثل علينا"،كانوا يضربونه بالهوز و يشتمونه.
بعد دقائق رأيتهم من تحت الصماد يجرون جثة، كانت ضخمة بعض الشيء،
جروا جثة الشهيد إلى حمام سرداب القلعة،هناك نزلوه وبدؤوا يضربونه مرة ثانية،ويطلبون منه أن يقف، كانوا يعتقدون أنه يمثل عليهم،فكانوا يضربونه بالهوز ،ويسبونه ويشتمونه.
أما هو فلم يكن يرد عليهم ولو حتى بأنين، جراء التعذيب الذي تجرّعه..
استمروا بضربه قرب حمام القلعة ربع ساعة..
ثم أخذوه وجروه نحو حمام السباحة وشغلوا عليه الماء،وكانت هذه الطريقة يستخدمونها معنا جميعاً، وفي حال انهارت قوانا جراء الضرب وسقطنا أرضاً شغّلوا علينا الماء إدّعاء بأنّه سيعافي قوانا، ثم لا يلبثوا أن يضربوننا مرةّ أخرى..
بعد ذلك هدَأ المكان، وبدا لنا أنهم أخذوا جسد الشهيد..
في الليل أخذوني إلى غرفة التحقيق،وقال لي المحقق الأردني (نحن اليوم قتلنا واحداً، ونحن ما عندنا مشكلة ان نقتل أكثر من واحد)،فكان يهددني بالقتل،( نحن الآن في فترة السلامة الوطنية وكل شيء متاح لينا ونستطيع أن نبيدكم )..!!!
لن أزيد على هذه الكلمات أي شيء آخر،فألمها كافٍ ليوقد شعلة الغضب،والحقد على أرباب هذه السلطة، في قلوب جميع الثائرين..
..........................
يوم الثلاثاء الموافق 12 من أبريل لسنة 2011, الساعة الثانية والنصف ظهراً ورد اتصال هاتفي من شخص مجهول على هاتف مكتب الشهيد يطلب من السكرتيرة الحضور إلى قسم الإنعاش في طوارئ مستشفى السلمانية فذهبت ابنة الشهيد فاطمة لرؤية أباها المريض كما زعموا، لم تخبر والدتها بأي شيء.. توجهت إلى السلمانية وبحثت في جميع الأجنحة والأقسام والكمبيوترات، فلم تجد أي اسم مطابق لإسم الشهيد فظنت أنها لعبة أعصاب تُمارس على عائلتها من قبل المتصل.
فبادرت إلى الإتصال على الرقم الذي ورد منه الإتصال، ردت إمرأة فقالت لها : أنا بنت عبدالكريم فخراوي، لقد بحثت في جميع غرف وأقسام المركز فلم أجد أبي، فطلبت منها المرأة أن تنتظر بالقرب من طاولة الكاتب في قسم الطوارئ، تقول فاطمة ابنة الشهيد: أنّه بعد حوالي عشر دقائق من الإنتظار لمحت من بعيد إمرأة من الشرطة ومعها ستةٌ من رجال الجيش المقنعين يحملون أسلحتهم ويتجهون نحوها ،و طلبت منها المرأة أن ترافقها فكان ثلاثة من رجال الجيش أمامها وثلاثة خلفها والمرأة تسير معها،وتوجهوا نحو مخرج المبنى وعندما فتحت الباب أمامها لمحت بوابة المشرحة التي كان يحرسها كم هائل من رجال الشرطة والجيش وكانوا كلهم مقنعين ويحملون الأسلحة، بالإضافة إلى رجال يرتدون ملابس مدنية. فصرخت ابنة الشهيد: ذبحتوه (قتلتوه)!!، نظرت الشرطية في عيني الفتاة بغضب ولؤم وقالت: ماذا تقصدين بقتلناه؟ هذا يومه وكل ماجرى قضاء وقدر.
وأمام هذا المصاب الأليم توجهت ابنة الشهيد نحو المشرحة وهي تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، بينما هم يضحكون عليها .!!!!
جلست في المشرحة وكان يحرسها مايقارب 25 من رجال الجيش المقنعين،
جلست تتأمل جسداً كان يوماً لوالدها، حضناً كان يمدها بالدفئ، ولكنه اليوم أصبح ملوناً بألوان التعذيب المؤلمة، تغيرت وضعيته، وكسرت عظامه، ونام إلى الأبد من دون أن يعطيها قبلة الوادع، من دون أن يخبرها رسالته الأخيرة..
وقفت أمامها الشرطية تقول: "لا تزعلي فهذا قضاء وقدر، وأصلاً والدك جاءنا وهو بصحة غير جيدة"،فتمالكت نفسها واستجمعت قواها وقالت لها: كفاكم كذباً والدي لم يعاني يوماً من أي مرض مزمن، وقد كان معتاداً على إجراء فحص دوري شامل كل ستة شهور ولله الحمد.
وعندما سمعت منها هذا الكلام قالت لها: هل لديك عم؟ فأجابت: نعم، فطلبت منها أن تتصل به ليحضر ويوقع على مايطلبون وأجبرتها على الجلوس في غرفة الإنتظار إلى حين وصوله وكانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً.
وهذا ما كان . لقد أجبر المرتزقةُ أخ الشهيد عبد الكريم أن يوقّع شهادة وفاة مزورة تصرّح بأن عبد الكريم توفي جراء فشل كلوي كان يتعالج منه، و طلبوا منه المجيء في صباح اليوم التالي لاستلام الجثة.
.......................
جفت الأقلام..وانطوت الصفحات..أمام بشاعة الجريمة التي تخرس الألسن..
من يستطيع أن يكتب عن التعذيب!!!
من يستطيع أن يكتب عن صدرٍ حنون..عن قلبٍ واسع..أشبعه الجلاد ضرباً..فأغمضت تلك العيون..ولم ينكس رأس صاحبها..
.................
ولك قارئي العزيز أن تتصور حال عائلته،حال بناته اللاتي ينتظرن والدهن منذ أيام،ينتظرن ذلك الحضن الدافئ ليركضن نحوه، ولكنهن لم يجدن غير صدرٍ هشمته ضربات جلاد حاقد..!!
وفي اليوم التالي ومن مشرحة مستشفى السلمانية،علا هتاف هز السماء، "ما رأيت إلا جميلاً"
هو هتاف زوجةٍ محاصرة بعدد كبير من الجيش والمرتزقة،تقف أمام جسد زوجها الشهيد،ترى علامات التعذيب، فيما يجبرونها على قراءة وثيقة وفاةٍ مزورة.
أبهرتهم صرخاتها الثابتة،وهزت كيانهم عباراتها الصابرة،وانتقصت من رجولتهم صلابة موقفها،أمام حساسية اللحظة.. هكذا هنّ بنات زينب في كربلاء المتجدّدة
وعندما تسلمت العائلة جسد الشهيد، هددت السلطات عائلته بأن لا تقوم بتشييعه وأن تدفنه سريعاً.
........................
في وقت متأخر من ليل 12 أبريل، أعلنت وزارة الداخليّة على «تويتر» وفاة «المواطن عبد الكريم فخراوي (...) بعد مضاعفات إثر تلقيه العلاج لمرض الفشل الكلوي الذي كان يعاني منه». هذه الرواية تتناقض تماماً مع صور جثته التي ظهرت عليها آثار التعذيب الوحشي.!!!
صباح يوم الأربعاء الموافق 13من أبريل لسنة 2011, ذهب أخوه
لإستلام الجثة وإنهاء مراسيم الدفن إلا أنهم تأخروا كثيراً في تسليمه جثة الشهيد.
يقول أخ الشهيد: إنهم هددوني بالقتل وقالوا لي: في حال سماحك لأحد بتصوير الجثة سيكون مصيرك كمصير أخيك، وسنأخذك إلى مكان لن ترى فيه ضوء الشمس" ومنعوني من إقامة مراسم تشييع أخي الشهيد.
وبعد تغسيله وقبل أن يتم أخذه للدفن نزف جرحٌ غائر في رقبته، فأعادوا تغسيله مرة ثانية، وبعد تكفينه في المرة الثانية، دخلت مجموعة من الشباب الغاضبين إلى المغتسل وفكت أكفان الشهيد وشرعت في تصويره..
تلك الصور التي لا يمكن لأحد نسيان ألمها..تلك التي تكشف كذب السلطات وخداعها حين قالت أن سبب وفاة الشهيد هو الفشل الكلوي..!!
كيف يكون الفشل الكلوي هو السبب وجسده قد مهر بألوان غريبة لا يمكن أن تكون إلا بسبب الضرب المبرح..؟!
عجبي من الحكومة الكاذبة اعلانها أنه توفي بسبب فشل كلوي، فهذا المرض لا يسبّب هذه الآثار. و إنّ محاولتهم طمس الحقيقة و دفنه بلا معاينة خير دليل على جرمهم.
وُري جثمان الشهيد عبد الكريم فخراوي الثرى بمقبرة الحورة وسط مشاركة كبيرة من المشيّعين الذين توافدوا منذ قبل بدء مراسم التشييع من مناطق مختلفة من البحرين رغم الحصار الذي فرضته الحكومة على المشيعين. وهتف المشيعون بشعارات وأبيات شعرية نادت بالاستمرار على النهج السلمي في التظاهرات والاحتجاجات مطالبين بإصلاحات سياسية ودستورية واسعة في البلاد.
في ذلك اليوم كان تويتر وفايس بوك كفيلين بكشف حقيقة التعذيب الذي تعرّض له فخراوي وبسرعة قصوى انطبعت الحقيقة في كل مكان،وتمردت على محاولات الطمس والإخفاء..
مقاطع الفيديو التي يلتقطها هواة من أجهزة الخلوي هي الوثيقة الحقيقية التي تؤرخ لما جرى ويجري في البحرين ولن يتمكن التاريخ الرسمي من التحريض والتزوير بعد الآن..وهذا تحديداً ما دفع ثمنه عبد الكريم فخراوي ..الرجل الذي يدافع عن العلم وينشر المعرفة..لا يمكن إلا أن يخيف الظالمين..ويستجلب حقد القاتل..
وبعد الانتشار الكبير لقضية مقتل عبد الكريم فخراوي خلف قضبان السجون وانتشار صور جسده المعذب ،دعت منظمات حقوقية دولية عدة إلى تحقيق فوري في أسباب وفاة الناشر البحريني، وهو رابع معتقل يفارق الحياة في مراكز الشرطة في البحرين. الذهول يلفّ الأوساط السياسيّة والإعلاميّة والثقافيّة في المملكة. كيف يُعقل أن يموت ناشط ورجل أعمال تحت التعذيب؟ لماذا أثار فخراوي كل هذا الحقد والضغينة لدى القوّة الأمنية التي استباحت البحرين برعاية سعوديّة؟
أسئلة لن تجد لها أجوبة في ظل وجود نظام مستبد كنظام آل خليفة.
......................
كان عبد الكريم مدرسة تعلم الأجيال الدين والعشق الإلهي، تعلمهم كيف يذوبون حباً في أهل البيت، تقدم لهم دروساً في الأخلاق الحسنة، والاحترام، وصلة الأرحام، وفعل الخير..
لتضيف ابنته فوق كل هذه الخصال الجميلة وتقول:
"تعلمت من ابي الشهيد تقديس الام والحياة الزوجية كما اني تعلمت منه رد السيئة بابتسامة , استلهمت منه الصبر على المصائب والتوكل على الله، هو كان مدرستي التي تخرجت منها طوال هذه السنين كما انني افخر به ويكفيني ان اكون ابنة الشهيد البطل ، فشكراً له لأنه أهداني لقب ابنة الشهيد.."
......................
بشوش الوجه، ضاحكاً مستبشراً بالخير في أحلك الظروف، وزد عليه حبه للقرآن الكريم وزيارة بيت الله الحرام، وتفانيه في خدمة أهل البيت عليهم السلام بشتى الطرق والوسائل، إنه عبد الكريم فخراوي، الذي لم ترحم طيبته أياد جلادٍ أوسعت صدره ضرباً.
هو بحق يدهشك في كل مرة تلتقيه لأمور كثيرة، منها الذكاء الوقاد والفطنة والنباهة وعشقه لخدمة المؤمنين وتواضعه الراقي رغم انه صاحب جاه ومال ! عبد الكريم إسمٌ على مسمى هو كريم..
ويقول صهر الشهيد " كنا نعيش مع ملاك بشكل بشر، فكريم ملاك، وهو مدرسة تعلمنا منه حسن الخلق والطيب وفعل الخير "
.......................
لقد اعترف بسيوني وأمام الكل في الاجتماع بأنه متأكد من مظلومية الشهيد عبد الكريم فخراوي، وأكد لعائلة الشهيد يقينه بأن عبد الكريم توفي جراء التعذيب الشديد..
ولكن بعد سنة من رحيل عبد الكريم هل تم محاسبة أحد جلاديه؟؟؟
ولا أنسى أن أروي ما ذكره أكثر من أسير كانوا يتواجدون مع الشهيد عبد الكريم وكيف أنّه في آخر لحظات حياته كان يطلب الماء .. إلا أنّهم تركوه يرحل عطشاناً مواسياً إمامه الحسين، الذي كان يزوره في الأربعين من كل عام مشياً على الأأقدام طالباً منه الرحمة.
وفي آخر زيارة له،وقف عند المقام،رفع يديه نحو السماء وقال:اللهم ارزقني الشهادة..
وغادر نحو موطنه، يحمل في قلبه شوقاً ونجوى..
ولأن القلب الصافي يآجره الله دائما بالخير،فقد رزقه الله الشهادة سريعاً جداً.ولم يدع قلبه الولهان لوصال المحبوب ينتظر أكثر ويتلظى بنار الشوق.
وقبل النهاية:
في أثناء بحثي عن معلومات عن الشهيد، لأكتبها في قصة، قرأت أمراً كتبته ابنته فاطمة، وأثر فيّ كثيراً، لدرجة أنه كلما مرت مناسبة، أذكر بنات الشهيد وأسأل نفسي ما حالهن اليوم؟؟
"في كل مولد كان ابي الشهيد يدخل علينا بالكعك وثلاث وردات حمراء لي وأخواتي ووردة واحدة كبيرة بيضاء لامي، فتعلمنا منه العشق الالهي ومحبة اهل البيت.."
ولكن هذا العام وفي الأعوام المقبلة، سوف تمر المناسبات، من دون ورد ولا حتى حلوى، ستمر بدمعة تمسحها يدا البنات اللاتي يتعالين على آلامهن ليبقين صامدات أمام كل من يسعى للتقليل من عزيمتهم..
في هذا العام، لن تنتظر الفتيات الورد عند باب الدار، بل هنّ من سوف يحملن الورد مع أمهن ويتوجهن نحو القبر، قبر والدهن الشهيد، ليزرعنه ورداً وريحاناً..
........
في النهاية رسالتي إلى حمد وخليفة وكل طاغية وظالم:
تأكد أن أعمالك في النهاية ستحرق عرشك كما حرقت قلوب اليتامى والأرامل وقلوب كل من يفتقد احباءه، وسوف ترى العذاب الدنيوي بعينيك قبل العذاب الأخروي، فدموع المظلوم ودعواته ليس بينها وبين الله حاجباً ولو كان كافراً...!!!
ولا يسعنا القول سوى هون ما نزل بنا أنه بعين الله ..وأنت قلت يا ربي في محكم كتابك"إنا من المجرمين منتقمون" فنحن وكل المظلومين بانتظار يوم الحساب، ليحصل كل مظلوم على حقه في المحكمة الإلهية..
قُل لشفةِ المظلوم ابتسمي .. فقريباً أسنانُ الظالم ستنكسر
السلام على المكبل في قعر السجون...السلام على البطل المظلوم..السلام على الشهيد عبد الكريم فخراوي..
السلام على الذي رحل عن دنيانا عطشاناً متألماً...
السلام على شيخ الشهداء..
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف..
.....................
بطاقة الهوية:
الإسم:عبد الكريم علي أحمد فخراوي..
تاريخ الميلاد:20-1-1962
المهنة:رجل أعمال
تاريخ الاستشهاد:11 أبريل 2011
طريقة الاستشهاد:تعذيباً في السجون الخليفية..مع ادعاء السلطات أنه قضى بسبب الفشل الكلوي..!
..............................................
بحرين...وطنٌ تلطخت أرضه بدماء أبنائه..
وطنٌ..اكتظت سجونه بأبطاله..
وطنٌ..سقت صحراءه دموع أيتامه..
وطنٌ.ملأت جدرانه صرخات سكانه..
.........................................
من ذلك السجن..ومن خلف تلك الجدران الباردة..أتت قصتي..
من دموع أطفالٍ..وشجاعة أرملة..صغت كلماتي...
بخيوط من دماء نسجت عباراتي..
وصرخات مكبوتة..تنزف دموعها بين أسطري..
...............................
البرد هنا شديد..وأنا لوحدي مع أقلامي ودفاتري..
وصوره..صور ذلك البطل الذي ذهب إلى الموت بقدميه..
صور ابتسامته..وضحكته المحببة جداً...
وكنت لا أزال أبحث بين الصور..
حين باغتتني تلك الصورة الأليمة..
حيث أصبح لجسده لون آخر..
واختفت ضحكته خلف تعابير الألم...
وأغمضت عيناه للأبد..!!!!
وانمحت صورته التي تزرع في القلوب السعادة..
لتأتي تلك الصورة التي تملأ القلب ألماً..وتذرف دموع العين...
كان أهله خارج المنزل...حين اقتحم البلطجية الدار وعبثوا فيها..
لم يدعوا شيئاً مكانه..
وَعَدَ زوجته بأنه سوف يصلح لها كل شيء..
كان مرتاحاً..هادئاً على عكس عائلته..هدأ روعهم قائلاً: اهدؤوا فأنا لست خائفاً..بل ما يسعدني أنهم اقتحموا المنزل في غيابكم...
رغم كل شيء..كان همه فقط..أن لا يشعر أطفاله بالخوف والرعب...
ودّع بناته الثلاثة...
ابتسم..
وغادر...نحو مصيره المجهول..
نحو مركز الشرطة..
......................
لأول مرة لن تبدأ قصتي من البحرين، لن تبدأ من الأرض، بل ستنسج لحظاتها الاولى في السماء..يد ترتفع نحو العلياء،وقلب طاهر نقي ، وعينان تفيضان دمعا .. حبا .. وعشقا لله، وشفاه ترتل الدعاء بحضرة المعصوم"اللهم ارزقني الشهادة"..
بطل قصتي هذه المرة بطل استثنائي، إنسان لم يعش يوما في بلد واحد أو مكان واحد، بل عاش في بلدان وأماكن شتى في آن واحد!!! كيف ذلك؟ لأنه كان يعيش في قلوب محبيه الكثيرين!!!
..........................
"إلى متى سيتسمر الوضع بهذا الشكل يا أبتي؟؟لقد تعبنا!!"
ابتسم عبد الكريم، وقال بصوته الآمن:
الصبر جميل، سننتصر ولكن بعد تقديم المزيد من التضحيات..!!!
....................
منذ صغره كان يحب القراءة والأدب، دخل باكراً معترك الحياة العملية بالعمل مع والده وإخوته، لكنه أبداً لم يترك مقاعد الدراسة الجامعية..
وفي العام 1984 أسس أول مكتبة ثقافية، باسم مكتبة فخراوي..حيث طورها إلى دار نشر وترجمة وتوزيع..وانطلق في مجال الدراسات البحثية ورعاية الإعمال والفعاليات الثقافية..وانطلقت المكتبة من بيع الكتب إلى توزيعها وطباعتها وترجمتها في نهاية 1999.
انطلاقاً من شعاره(ثقافة القراءة)اجتهد فخراوي وراهن على التقدّم وكانت له مشاركات واضحة وفعالة في معارض الكتاب الدولية التي تقام في البحرين وخارجها[1]. لم يقتصر اهتمامه على الكتب الدينيّة ومؤلفات المحافظين، بل نوّع في المجالات وفتحَ قسماً خاصاً بالأطفال. الشهيد فخراوي كان له دور بارز في تأسيس (جريدة الوسط) , حيث كان من أول المساهمين الذين عملوا بجهد وساهموا في إبراز تلك الجريدة اليومية السياسية المستقلة.
كريم فخراوي هو صاحب شركة ( مقاولات فخراوي )، التي تعد من شركات المرتبة الأولى في هذا المجال, حيث عمل في عدة مشاريع من أهمها بناء مشروع السفارة العراقية وبيت السفير اللذين أشرفا على الإنتهاء، وكان قد فاز بمناقصة بناء السفارة القطرية في البحرين قبل إستشهاده بفترة قصيرة .
....................
كم نشرت كتباً يا عبد الكريم..ولكنك بالتأكيد..ما ظننت يوماً أن الكتب سوف تكتب عنك أنت..
عن علمك..وانفتاحك..
سوف تذكر أنه في هذا العالم..وجد يوماً أبٌ حنون..أبٌ لعشرات الأبناء..لم يكونوا من صلبه..
لم يعرفوه ربما إلا بعد ارتحاله..
لكنهم بكوه..!! بكوه ...
وهو ينظر إليهم من السماء.
يطلب منهم مسح الدموع..
صحيح أن التعذيب آلمه...ولكن هذا الألم..جعله من الشهداء..الذين ينعمون في الأعلى.
....................
الزمان: مساء يوم السبت الموافق الثاني من شهر أبريل لسنة 2011
المكان:منزل ابنة الشهيد القريب من منزله ، قرية كرباباد.
في ذلك المساء..ذهب الشهيد وزوجته وطفلتاه في زيارة عادية لمنزل ابنته..الجو لطيف، لا برد ولا حر شديد..
تبدأ القصة من اتصال مفاجئ..!!!
عند الساعة الحادية عشر والنصف مساءً رن هاتف الشهيد..وبان التعجب عليه...حيث كان الاتصال من رقم منزله..على الرغم من خلو المنزل في ذلك الوقت من أي أحد..
واتضح أنه كان جهاز الإنذار..
وبعد وقت قليل،اتصل الجيران ليسألوا إن كانت العائلة بخير،حيث أن المنزل محاط بعددٍ كبير من سيارات وقوات الأمن..وأصوات التكسير تتعالى في المنطقة..
في هذه الأثناء أحست فاطمة ابنة الشهيد بحركة غير اعتيادية خارج المنزل،وما إن ذهبت لتتفقد الأمر حتى رأت سيارات الأمن تحاصر المنطقة..
كان يخيم على المنزل الخوف والترقب ...ما عدا عبد الكريم..الذي كان هادئاً..وأكد أن لا علاقة له بأي شيء..وقرر أن يذهب في الصباح لمركز الشرطة ويستطلع سبب اقتحام منزله..
جلس الشهيد يوصي أهله..ويهدئ من روعهم..خصوصاً أن للشهيد طفلتان واحدة عمرها 13 والثانية 9 سنوات.
وبعد ذهاب الجميع للنوم..فرش عبد الكريم سجادة الصلاة..وتوجه لله تعالى متضرعاً..
صلى صلاة الليل..حتى حان موعد صلاة الفجر فأداها..
أشرقت الشمس في صباح يوم الأحد الموافق للثالث من شهر أبريل..وقد عزم عبد الكريم على الذهاب لمركز الشرطة لتقديم بلاغ باقتحام منزله.. ودع أهله...واصطحبه السائق(قبل ذهاب الشهيد لمركز الشرطة اتصل بمحاميه واستشاره)
لم تمض أكثر من نصف ساعة وإذا بعبد الكريم يطرق باب المنزل عائداً..فرحت أسرته بعودته..واستفسرت منه عن ما جرى.. فأخبرها أنه حين وصل إلى هناك. قال للشرطة أنه يرغب في تقديم بلاغ باقتحام منزله،فسأله الشرطي:هل تتهم رجال الأمن؟ فرد الشهيد:جئت إلى هنا لأني أجهل سبب اقتحام منزلي..فمهما كان السبب فأنا موجود هنا..فأخبره الشرطي أنه بإمكانه الانتظار أو الذهاب والعودة لأنهم بحاجة الى نصف ساعة لإجراء بعض الاتصالات..فآثر العودة بعد نصف ساعة..
وعاد إلى منزل ابنته ، وحكى لهم ما حصل..ومن ثم عاد إلى مركز الشرطة مرة ثانية..
وقبل ذهابه..وعندما ودع عائلته..كان هو..وهم..متفائلين بعودته..
ولكن للأسف الشديد..ذهب عبد الكريم..ذهب ولم يعد..!!!
بعد انقضاء ساعتين..رجع السائق والدموع تملأ عينيه..وأخبر أسرة الشهيد أنه بعد انتظار دام أكثر من ساعة..أتت سيارة أمن من خارج المركز، سرعان ما ترجّل منها أفرادٌ مقنّعون ..فكبلوا يدي عبد الكريم..وأمروا السائق بالذهاب، فيما ذهبوا هم وأخذوا عبد الكريم معهم..
في عصر ذلك اليوم..أخذت ابنة الشهيد آلة التصوير وذهبت إلى المنزل لتقوم بتوثيق ما فعلوه بالمنزل بعد اقتحامهم له قبل ليلة..
حيث كان المنزل مقلوباً رأساً على عقب،كل شيء محطم.
الأمر المدهش أكثر تكسيرهم للتربة الحسينية..
حيث أنه كان هناك كمية كبيرة منها على الطاولة في غرفة الجلوس..ولكنها أصبحت بعد دخولهم منتشرة في المنزل،ومهشمة تماماَ..
وهذا وإن دل على شيء..فقد أكد على أنهم حاربوا شريعة الشيعة..وليس الشيعة أنفسهم..
ورغم كل الفوضى التي أحدثوها في غرف بنات الشهيد والهواتف والحواسيب التي سرقوها،والثياب التي بعثروها، إلا أنّ غرفة الشهيد كان لها النصيب الأوفر من فوضتهم العارمة تلك، حيث عبثوا بأوراقه الخاصة المتعلقة بفحوصات المستشفى..وسرقوا جميع العطور المتواجدة في الغرفة ..والمضحك..أنهم أخذوا العطور وتركوا العلب الفارغة !!
في مساء ذلك اليوم،ذهبت زوجة الشهيد وبناته إلى مركز شرطة السنابس وهو المركز الذي اعتقل منه،سألوا عنه،فأنكروا وجوده عندهم..وأصروا أنه لم يحضر أحد باسم عبد الكريم فخراوي إليهم..فسألت العائلة عن البلاغ الذي قدمه الشهيد،فلم يجدوا عندهم شيئاً يخص هذا الموضوع..
مرت الأيام وعائلة عبد الكريم فخراوي تعاني ألماً قاسياً.. في إنتظار إتصال أو خبر عن مكان تواجده وعن حاله.
......................
من تلك الغرف الموصدة تستمر روايتي للألم .
سأكتب عن قلبٍ كبيرٍ يفيض بحبٍ وإيمان..
سآخذكم معي إلى مسرح الأحداث،إلى الغرفة التي شهدت تعذيب والدٍ حنون،
زوجٍ عطوف،وإنسانٍ بكل ما للكلمة من معنى.سأحدثكم عن أرضٍ تلونت بقاني الدماء!!
عن سجن عُرِفَ بالقسوة، عن جلادٍ لم يعرف معنى الإنسانية يوماً،
ولن أنسى طبعاً أن أشير إلى بطل حكايتي ،إلى السجين الذي لم يعرف غير الإبتسام والوجه البشوش...
هناك، حيث لا تسمع سوى الشتم من جلادٍ، وتكبيرٍ من أسيرٍ، وآهاتٍ من معذب..
لا أدري كيف كان ينظر الجلاد إلى عبد الكريم..ويمعن في ضربه..كيف أمكنه ذلك.. جمال روحه ووجهه .. جعلني أقف وقتاً طويلاً أمام صورته..كيف بمن شاهده أمامه...!!!!
ولا خيارللقلب إلا أن يبكي إحتراقاً عند تخيّل الصورة في غرفة التحقيق .. كيف لا والضحية عبد الكريم فخراوي قبالة جلادٍ يتلقى تعاليمه ويتشرب أحقاده من قادةٍ تعودوا على سفك الدماء.
كلّ البطش الجسدي، والعَمى الطائفي، والهمجية التاريخية انهالت على فخراوي،
وتركت في ضمير شعبه ندوباً لا تمحى.
و في قلوب بناته أهاتٍ لن يوقفها الزمن..
وجرحت جسده بآلاتٍ حادةٍ جعلت روحه تكره الدنيا، وتشتاق للأعلى .
هناك..حيث لا ظلم..
هناك..حيث لا ألم..
هناك..حيث السعادة الأبدية في جنان الخلد..
في تلك الزاوية الصغيرة،حدث الألم.
صرخة عمّت الأرجاء، قابلتها تمتمات جلادٍ مرتعب،فيما بقي الجسد يرتعش تحت وطئ السياط، ترافقه أنّات خافتة من قلبٍ تشبّع بالألم،
همسات التكبير الصادحة في الخارج أججت غضب الجلاد،
فما كان منه إلا أن صب نار حقده على جسد عبد الكريم،الذي لم تسعفه الثواني ليفتح عينيه لآخر مرة..
فقد رحل مغمضاً عينيه عن ألمٍ عظيم..
رحل ولن يفتح عينيه مجدداً ليرى الجدران السوداء،والأرضية المليئة بالدماء،
ووجوه الجلادين الخالية من أية تعابير إنسانية..ولن تلتقي عيناه بعيونهم الباردة الجامدة..
رحل،وقد علت ثغره بسمة خفيفة فيها اطمئنان وأمان..
فيها تسليم،وعشق للوصال..!!!!
..................
أغمضت عيوني في محاولة لتخيل آخر اللحظات من حياة عبد الكريم، وأنا أستمع لصوت أسير سابق، يروي آخر لحظات للشهيد فخراوي:
في أحد الأيام بينما كنت موقوفا مصمد العينين مكبل اليدين من الخلف كنت لا أرى إلا قدميّ وأقدام من يمرون بالقرب مني بسبب الصمادة،كنت أسمع صراخاً من غرفة التحقيق،حيث كانوا يعذبون شخصاً لم أكن أعلم من هو..ولكن كان صراخه يصل إلينا ونحن كنا في ممر سرداب القلعة.
فجأة توقف صراخ المعذب،ولكن صراخ الجلادين استمر،خرج أحد الجلادين ونادى زملاءه الآخرين طالباً منهم المساعدة، وذهبت مجموعة،فسمعتهم يصرخون به : "
قوم وقف قوم وقف لا تمثل علينا"،كانوا يضربونه بالهوز و يشتمونه.
بعد دقائق رأيتهم من تحت الصماد يجرون جثة، كانت ضخمة بعض الشيء،
جروا جثة الشهيد إلى حمام سرداب القلعة،هناك نزلوه وبدؤوا يضربونه مرة ثانية،ويطلبون منه أن يقف، كانوا يعتقدون أنه يمثل عليهم،فكانوا يضربونه بالهوز ،ويسبونه ويشتمونه.
أما هو فلم يكن يرد عليهم ولو حتى بأنين، جراء التعذيب الذي تجرّعه..
استمروا بضربه قرب حمام القلعة ربع ساعة..
ثم أخذوه وجروه نحو حمام السباحة وشغلوا عليه الماء،وكانت هذه الطريقة يستخدمونها معنا جميعاً، وفي حال انهارت قوانا جراء الضرب وسقطنا أرضاً شغّلوا علينا الماء إدّعاء بأنّه سيعافي قوانا، ثم لا يلبثوا أن يضربوننا مرةّ أخرى..
بعد ذلك هدَأ المكان، وبدا لنا أنهم أخذوا جسد الشهيد..
في الليل أخذوني إلى غرفة التحقيق،وقال لي المحقق الأردني (نحن اليوم قتلنا واحداً، ونحن ما عندنا مشكلة ان نقتل أكثر من واحد)،فكان يهددني بالقتل،( نحن الآن في فترة السلامة الوطنية وكل شيء متاح لينا ونستطيع أن نبيدكم )..!!!
لن أزيد على هذه الكلمات أي شيء آخر،فألمها كافٍ ليوقد شعلة الغضب،والحقد على أرباب هذه السلطة، في قلوب جميع الثائرين..
..........................
يوم الثلاثاء الموافق 12 من أبريل لسنة 2011, الساعة الثانية والنصف ظهراً ورد اتصال هاتفي من شخص مجهول على هاتف مكتب الشهيد يطلب من السكرتيرة الحضور إلى قسم الإنعاش في طوارئ مستشفى السلمانية فذهبت ابنة الشهيد فاطمة لرؤية أباها المريض كما زعموا، لم تخبر والدتها بأي شيء.. توجهت إلى السلمانية وبحثت في جميع الأجنحة والأقسام والكمبيوترات، فلم تجد أي اسم مطابق لإسم الشهيد فظنت أنها لعبة أعصاب تُمارس على عائلتها من قبل المتصل.
فبادرت إلى الإتصال على الرقم الذي ورد منه الإتصال، ردت إمرأة فقالت لها : أنا بنت عبدالكريم فخراوي، لقد بحثت في جميع غرف وأقسام المركز فلم أجد أبي، فطلبت منها المرأة أن تنتظر بالقرب من طاولة الكاتب في قسم الطوارئ، تقول فاطمة ابنة الشهيد: أنّه بعد حوالي عشر دقائق من الإنتظار لمحت من بعيد إمرأة من الشرطة ومعها ستةٌ من رجال الجيش المقنعين يحملون أسلحتهم ويتجهون نحوها ،و طلبت منها المرأة أن ترافقها فكان ثلاثة من رجال الجيش أمامها وثلاثة خلفها والمرأة تسير معها،وتوجهوا نحو مخرج المبنى وعندما فتحت الباب أمامها لمحت بوابة المشرحة التي كان يحرسها كم هائل من رجال الشرطة والجيش وكانوا كلهم مقنعين ويحملون الأسلحة، بالإضافة إلى رجال يرتدون ملابس مدنية. فصرخت ابنة الشهيد: ذبحتوه (قتلتوه)!!، نظرت الشرطية في عيني الفتاة بغضب ولؤم وقالت: ماذا تقصدين بقتلناه؟ هذا يومه وكل ماجرى قضاء وقدر.
وأمام هذا المصاب الأليم توجهت ابنة الشهيد نحو المشرحة وهي تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، بينما هم يضحكون عليها .!!!!
جلست في المشرحة وكان يحرسها مايقارب 25 من رجال الجيش المقنعين،
جلست تتأمل جسداً كان يوماً لوالدها، حضناً كان يمدها بالدفئ، ولكنه اليوم أصبح ملوناً بألوان التعذيب المؤلمة، تغيرت وضعيته، وكسرت عظامه، ونام إلى الأبد من دون أن يعطيها قبلة الوادع، من دون أن يخبرها رسالته الأخيرة..
وقفت أمامها الشرطية تقول: "لا تزعلي فهذا قضاء وقدر، وأصلاً والدك جاءنا وهو بصحة غير جيدة"،فتمالكت نفسها واستجمعت قواها وقالت لها: كفاكم كذباً والدي لم يعاني يوماً من أي مرض مزمن، وقد كان معتاداً على إجراء فحص دوري شامل كل ستة شهور ولله الحمد.
وعندما سمعت منها هذا الكلام قالت لها: هل لديك عم؟ فأجابت: نعم، فطلبت منها أن تتصل به ليحضر ويوقع على مايطلبون وأجبرتها على الجلوس في غرفة الإنتظار إلى حين وصوله وكانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً.
وهذا ما كان . لقد أجبر المرتزقةُ أخ الشهيد عبد الكريم أن يوقّع شهادة وفاة مزورة تصرّح بأن عبد الكريم توفي جراء فشل كلوي كان يتعالج منه، و طلبوا منه المجيء في صباح اليوم التالي لاستلام الجثة.
.......................
جفت الأقلام..وانطوت الصفحات..أمام بشاعة الجريمة التي تخرس الألسن..
من يستطيع أن يكتب عن التعذيب!!!
من يستطيع أن يكتب عن صدرٍ حنون..عن قلبٍ واسع..أشبعه الجلاد ضرباً..فأغمضت تلك العيون..ولم ينكس رأس صاحبها..
.................
ولك قارئي العزيز أن تتصور حال عائلته،حال بناته اللاتي ينتظرن والدهن منذ أيام،ينتظرن ذلك الحضن الدافئ ليركضن نحوه، ولكنهن لم يجدن غير صدرٍ هشمته ضربات جلاد حاقد..!!
وفي اليوم التالي ومن مشرحة مستشفى السلمانية،علا هتاف هز السماء، "ما رأيت إلا جميلاً"
هو هتاف زوجةٍ محاصرة بعدد كبير من الجيش والمرتزقة،تقف أمام جسد زوجها الشهيد،ترى علامات التعذيب، فيما يجبرونها على قراءة وثيقة وفاةٍ مزورة.
أبهرتهم صرخاتها الثابتة،وهزت كيانهم عباراتها الصابرة،وانتقصت من رجولتهم صلابة موقفها،أمام حساسية اللحظة.. هكذا هنّ بنات زينب في كربلاء المتجدّدة
وعندما تسلمت العائلة جسد الشهيد، هددت السلطات عائلته بأن لا تقوم بتشييعه وأن تدفنه سريعاً.
........................
في وقت متأخر من ليل 12 أبريل، أعلنت وزارة الداخليّة على «تويتر» وفاة «المواطن عبد الكريم فخراوي (...) بعد مضاعفات إثر تلقيه العلاج لمرض الفشل الكلوي الذي كان يعاني منه». هذه الرواية تتناقض تماماً مع صور جثته التي ظهرت عليها آثار التعذيب الوحشي.!!!
صباح يوم الأربعاء الموافق 13من أبريل لسنة 2011, ذهب أخوه
لإستلام الجثة وإنهاء مراسيم الدفن إلا أنهم تأخروا كثيراً في تسليمه جثة الشهيد.
يقول أخ الشهيد: إنهم هددوني بالقتل وقالوا لي: في حال سماحك لأحد بتصوير الجثة سيكون مصيرك كمصير أخيك، وسنأخذك إلى مكان لن ترى فيه ضوء الشمس" ومنعوني من إقامة مراسم تشييع أخي الشهيد.
وبعد تغسيله وقبل أن يتم أخذه للدفن نزف جرحٌ غائر في رقبته، فأعادوا تغسيله مرة ثانية، وبعد تكفينه في المرة الثانية، دخلت مجموعة من الشباب الغاضبين إلى المغتسل وفكت أكفان الشهيد وشرعت في تصويره..
تلك الصور التي لا يمكن لأحد نسيان ألمها..تلك التي تكشف كذب السلطات وخداعها حين قالت أن سبب وفاة الشهيد هو الفشل الكلوي..!!
كيف يكون الفشل الكلوي هو السبب وجسده قد مهر بألوان غريبة لا يمكن أن تكون إلا بسبب الضرب المبرح..؟!
عجبي من الحكومة الكاذبة اعلانها أنه توفي بسبب فشل كلوي، فهذا المرض لا يسبّب هذه الآثار. و إنّ محاولتهم طمس الحقيقة و دفنه بلا معاينة خير دليل على جرمهم.
وُري جثمان الشهيد عبد الكريم فخراوي الثرى بمقبرة الحورة وسط مشاركة كبيرة من المشيّعين الذين توافدوا منذ قبل بدء مراسم التشييع من مناطق مختلفة من البحرين رغم الحصار الذي فرضته الحكومة على المشيعين. وهتف المشيعون بشعارات وأبيات شعرية نادت بالاستمرار على النهج السلمي في التظاهرات والاحتجاجات مطالبين بإصلاحات سياسية ودستورية واسعة في البلاد.
في ذلك اليوم كان تويتر وفايس بوك كفيلين بكشف حقيقة التعذيب الذي تعرّض له فخراوي وبسرعة قصوى انطبعت الحقيقة في كل مكان،وتمردت على محاولات الطمس والإخفاء..
مقاطع الفيديو التي يلتقطها هواة من أجهزة الخلوي هي الوثيقة الحقيقية التي تؤرخ لما جرى ويجري في البحرين ولن يتمكن التاريخ الرسمي من التحريض والتزوير بعد الآن..وهذا تحديداً ما دفع ثمنه عبد الكريم فخراوي ..الرجل الذي يدافع عن العلم وينشر المعرفة..لا يمكن إلا أن يخيف الظالمين..ويستجلب حقد القاتل..
وبعد الانتشار الكبير لقضية مقتل عبد الكريم فخراوي خلف قضبان السجون وانتشار صور جسده المعذب ،دعت منظمات حقوقية دولية عدة إلى تحقيق فوري في أسباب وفاة الناشر البحريني، وهو رابع معتقل يفارق الحياة في مراكز الشرطة في البحرين. الذهول يلفّ الأوساط السياسيّة والإعلاميّة والثقافيّة في المملكة. كيف يُعقل أن يموت ناشط ورجل أعمال تحت التعذيب؟ لماذا أثار فخراوي كل هذا الحقد والضغينة لدى القوّة الأمنية التي استباحت البحرين برعاية سعوديّة؟
أسئلة لن تجد لها أجوبة في ظل وجود نظام مستبد كنظام آل خليفة.
......................
كان عبد الكريم مدرسة تعلم الأجيال الدين والعشق الإلهي، تعلمهم كيف يذوبون حباً في أهل البيت، تقدم لهم دروساً في الأخلاق الحسنة، والاحترام، وصلة الأرحام، وفعل الخير..
لتضيف ابنته فوق كل هذه الخصال الجميلة وتقول:
"تعلمت من ابي الشهيد تقديس الام والحياة الزوجية كما اني تعلمت منه رد السيئة بابتسامة , استلهمت منه الصبر على المصائب والتوكل على الله، هو كان مدرستي التي تخرجت منها طوال هذه السنين كما انني افخر به ويكفيني ان اكون ابنة الشهيد البطل ، فشكراً له لأنه أهداني لقب ابنة الشهيد.."
......................
بشوش الوجه، ضاحكاً مستبشراً بالخير في أحلك الظروف، وزد عليه حبه للقرآن الكريم وزيارة بيت الله الحرام، وتفانيه في خدمة أهل البيت عليهم السلام بشتى الطرق والوسائل، إنه عبد الكريم فخراوي، الذي لم ترحم طيبته أياد جلادٍ أوسعت صدره ضرباً.
هو بحق يدهشك في كل مرة تلتقيه لأمور كثيرة، منها الذكاء الوقاد والفطنة والنباهة وعشقه لخدمة المؤمنين وتواضعه الراقي رغم انه صاحب جاه ومال ! عبد الكريم إسمٌ على مسمى هو كريم..
ويقول صهر الشهيد " كنا نعيش مع ملاك بشكل بشر، فكريم ملاك، وهو مدرسة تعلمنا منه حسن الخلق والطيب وفعل الخير "
.......................
لقد اعترف بسيوني وأمام الكل في الاجتماع بأنه متأكد من مظلومية الشهيد عبد الكريم فخراوي، وأكد لعائلة الشهيد يقينه بأن عبد الكريم توفي جراء التعذيب الشديد..
ولكن بعد سنة من رحيل عبد الكريم هل تم محاسبة أحد جلاديه؟؟؟
ولا أنسى أن أروي ما ذكره أكثر من أسير كانوا يتواجدون مع الشهيد عبد الكريم وكيف أنّه في آخر لحظات حياته كان يطلب الماء .. إلا أنّهم تركوه يرحل عطشاناً مواسياً إمامه الحسين، الذي كان يزوره في الأربعين من كل عام مشياً على الأأقدام طالباً منه الرحمة.
وفي آخر زيارة له،وقف عند المقام،رفع يديه نحو السماء وقال:اللهم ارزقني الشهادة..
وغادر نحو موطنه، يحمل في قلبه شوقاً ونجوى..
ولأن القلب الصافي يآجره الله دائما بالخير،فقد رزقه الله الشهادة سريعاً جداً.ولم يدع قلبه الولهان لوصال المحبوب ينتظر أكثر ويتلظى بنار الشوق.
وقبل النهاية:
في أثناء بحثي عن معلومات عن الشهيد، لأكتبها في قصة، قرأت أمراً كتبته ابنته فاطمة، وأثر فيّ كثيراً، لدرجة أنه كلما مرت مناسبة، أذكر بنات الشهيد وأسأل نفسي ما حالهن اليوم؟؟
"في كل مولد كان ابي الشهيد يدخل علينا بالكعك وثلاث وردات حمراء لي وأخواتي ووردة واحدة كبيرة بيضاء لامي، فتعلمنا منه العشق الالهي ومحبة اهل البيت.."
ولكن هذا العام وفي الأعوام المقبلة، سوف تمر المناسبات، من دون ورد ولا حتى حلوى، ستمر بدمعة تمسحها يدا البنات اللاتي يتعالين على آلامهن ليبقين صامدات أمام كل من يسعى للتقليل من عزيمتهم..
في هذا العام، لن تنتظر الفتيات الورد عند باب الدار، بل هنّ من سوف يحملن الورد مع أمهن ويتوجهن نحو القبر، قبر والدهن الشهيد، ليزرعنه ورداً وريحاناً..
........
في النهاية رسالتي إلى حمد وخليفة وكل طاغية وظالم:
تأكد أن أعمالك في النهاية ستحرق عرشك كما حرقت قلوب اليتامى والأرامل وقلوب كل من يفتقد احباءه، وسوف ترى العذاب الدنيوي بعينيك قبل العذاب الأخروي، فدموع المظلوم ودعواته ليس بينها وبين الله حاجباً ولو كان كافراً...!!!
ولا يسعنا القول سوى هون ما نزل بنا أنه بعين الله ..وأنت قلت يا ربي في محكم كتابك"إنا من المجرمين منتقمون" فنحن وكل المظلومين بانتظار يوم الحساب، ليحصل كل مظلوم على حقه في المحكمة الإلهية..
قُل لشفةِ المظلوم ابتسمي .. فقريباً أسنانُ الظالم ستنكسر
السلام على المكبل في قعر السجون...السلام على البطل المظلوم..السلام على الشهيد عبد الكريم فخراوي..
السلام على الذي رحل عن دنيانا عطشاناً متألماً...
السلام على شيخ الشهداء..
.......................................
آثار التعذيب على جسد الشهيد عبد الكريم فخراوي:


فاطمة يوسف زبيب - لبنان
03/04/2012


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق