هناك. حيث الألم أصبح شيئا عاديا. حيث الحرمان والجوع من الأمور الطبيعية.
هناك في بلدة محاطة بجدار فولاذي من إحدى حدودها يمنع الغذاء من الوصول.
والبحر حيث لا مفر. والإسرائيليين من جهة أخرى.
هناك حصلت أكثر القصص بطولة و شجاعة سجلتها دفاتر التاريخ.
وبالتحديد في غزة. في معقل الرجال
يوميا
تتساءل الطيور ضوء الشمس من أين يسطع؟؟. والقمر من أين يطلع؟؟. فتجيبها
الغيوم التي تعبر هذه السماء "من تلك الأرض. من أرض رجالها أقسموا أن
يدفعوا ثمن حريتها الدماء. لم يبادلوها لا بالمال. لا بالذهب ولا بالماس.
فهي في عيونهم أغلى من كل جواهر الكون.
هم رجال غزة. هم مَن مِن قبل أن يولدوا يتغذون المجد من بطون أمهاتهم.
هم رجال رضعوا من حليب المقاومة.
إنهم هم الرجال بحق.
هم من يشبه الرجال بجبروتهم.
في صباح لم يستيقظ الناس على ألحان العصافير. ولم يصلوا الصبح بعد أن أيقظهم صياح الديك البديع.
كان
خالد قد وقف في منتصف داره، يتلفت يمينا ويسارا، فقد أستيقظ مذعوراً على
صوت انفجار، وبحث عن ابنه الوحيد الذي يعيش معه في هذا المنزل بعد أن قتلت
زوجته وولداه الآخران تحت ركام منزلهم في غارة إسرائيلية على المدينة.
كان قلبه ينبض بقلق، وأنفاسه المضطربة تتصاعد تكاد تحرق الهواء المحيط به. لا يدري لما كل هذا الألم احتوى قلبه في تلك اللحظات، تذكر زوجته. أطفاله. وأجسادهم
الممزقة. والحجارة تتلف أعضائهم الضعيفة. تذكر وحيده الباقي في هذه
الدنيا. التفت حوله مرة أخرى. فأصوات الرصاص تخترق سكون الفجر. تبدد
الظلام. وتدفع بالغيوم لتمطر ناراً.
وبعد
دقيقة، اهتز البيت. وسقطت الأواني، تكسر الزجاج وتطايرت الحجارة. اسودت
الدنيا حول خالد، ولم يعد يرى شيئاً، حتى نفسه، ثم شعر بألم يقتحم جسده،
يمزق أضلاعه. استغرب فهو لم يسمع صوت صواريخ. وغاب عن ذهنه في تلك اللحظة،
أن من يموت لا يسمع صوت الصاروخ الذي قتله. مضت بضع ثوان. وأحس خالد بأن
الألم قد زال. شعر بنفسه خفيفاً كما لم يشعر من قبل. شعر أن جميع ما حوله
سراب. ثم شاهد نفسه مرتدياً الأبيض. وهو من فوق ينظر إلى الدمار. شهق شهقة
كبيرة. ما هذا؟؟؟؟ما الذي أراه. هذه أراضي كانت يوما زراعية ها هي وقد أضحت
رماداً. أُحرقت جميع خيراتها.
والبيوت.
ما هذا. ؟؟لما كلها مدمرة. كأن ساحة القتال هي مع النساء والرضع وليس على
الجبهة مع الرجال. يا إلهي رأفة بالقلوب الرحيمة. لله دركم أيها الأعداء.
لقد نشرتم الجثث حول المنازل. و انتشر الموت في كل مكان.
كان
جاد قد ذهب عند انتصاف الليل إلى الحدود مع الشباب حيث يرابطون كل ليلة،
ليحموا أرضهم ويدافعوا عنها بدمائهم الزكية. إلا أن هذه المرة، كان الليل
يسحب أذيال ظلامه خوفاً بعد أن أحرقتها خيوط الشمس، في هذه اللحظات حدث أن
مؤامرة ألم قد بدأ العدو ينسجها بخيوط الشمس لتشرق الدنيا بشعاع مليء
بالآلام والدماء، باليتم والشقاء، كأن الموت قد خيم فوق غزة وأبى أن
يغادرها قبل أن ينهي كل شعاع أمل باق فيها.
وبدأ
العدو بشن غاراته الموجعة على كل مكان يتوقع أن يكون فيه ناس. لم يفرق بين
مدني أو عسكري، لم يفرق بين رجل وامرأة، لم يفرق بين كبير أو صغير، فكانت
أكثر المعارك همجية بحق من يسمون
بشر، لكنهم عند الإسرائيليين لا يعدون شيء. شعر جاد أنه يتوجب عليه أن يذهب
ليرى والده فربما رافقه إلى القتال، فأطلق العنان لخطواته يطوي المسافات،
ليصل إلى حيه، ذهل، أين المنازل، لقد اختفت
معالم المكان، جميع الأبنية العالية قد أصبحت ركاما صغيرا، الهواء يصفر في
الأجواء وينشر الخوف في قلوب من يرى هذا المشهد. تأمل المشهد من جديد،
يبحث عن منزله، أجل فقد أضاع بين الركام الكثير، ركام منزله، وفجأة شاهده
لقد تعرف عليه، منزلٌ كان عبارة عن ثلاث طوابق أضحى في تلك اللحظات أرضا
مسوية. بعد أن حولته آلة الدمار الإسرائيلية إلى حطام.
ذاك الركام حوا بين رماله جسداً طاهراً. هو جسد والده.
كان الغضب قد بلغ أوجه عند جاد. لم يجد والده. فقد أصبح تحت التراب.
ركض لا يجد لاضطرابه مستقراً. وقرر أن يحمي من تبقى في بلده. ولا ينحني أمام رشق الرصاص. ولا يركع ولو تحت النار. أراد أن ينتقم لوالده. لأمه الحنون. لإخوته المظلومين. لجيرانه المقتولين. للأطفال المتألمين. ولكل من عاش في ذلك البلد. لكل من شعر بالخوف ولو للحظة من صوت القذائف التي تنهمر فوق الرؤوس.
حمل سلاحه. لقمه. وأسرع نحو المقاتلين يشاركهم شرف القتال، كان عند كل رصاصة يطلقها يصرخ "هذه لأجل أمي. أبي". "هذه لأجل إخوتي. جيراني. أترابي. أصدقائي. أطفال بلدي. نساء مدينتي. للأرامل. للأيتام. "
كان
يقاتل ببسالة. وشهد كل من شاركه القتال أن جاد كان يقاتل كالأسود، لم يكن
يرى حوله أو يسمع أي شيء، كل همه أن يبيد الإسرائيليين من بلده. من الوجود. كان يود أن يمنعهم من المضي والتقدم لدخول غزة. فهذه أرضه. ولن يسمح للإسرائيلي أن يدنسها بدخوله. هذه أرضه مقدسة. وسوف يحميها بدمه. بروحه فأمامها ترخص كل الماديات.
بقي
جاد يتنقل من جبهة لأخرى، من موقع لآخر، فقط كي يحقق أمنيته بأن لا يدخل
العدو شبراً من أرضه، حتى أنهكه القتال، بعد أن بقي ثلاثة أيام متواصلات
يقاتل، لم يرتح إلا ساعات قليلة، لم يأكل شيء، لم يفعل شيء إلا الدفاع عن
أرضه، وعندما جلس أرضاً فوق التراب الذي لأجل حريته يقاتل، عندما لامس رأسه
الثرى، وشم ريحه، أحس براحة كبيرة، شعر أن تعبه لم يذهب هباءً، فها هو
تراب غزة لم يدنسه العدو بعد، كأن هذه الدقائق قد أعطته زاداً كي يستمر في
القتال، فنهض وكله عزم على الدفاع عن أرضه إلى النصر أو الشهادة، وفعلاً
رغم تعبه الجسدي، إلا أن روحه كانت تهتف بأن لا تستسلم لا تتراجع، وبقي
يقاتل ببسالة. وفي لحظة انهار ذلك الجبل
الشاهق، وارتطم أرضا، محدثا اهتزازاً في الأرجاء، عبر ارتداداته علم
الأبطال أنهم فقدوا رجلا من أشجع الرجال، فعصفت السماء تشارك الأرض عزائها
بأسد من الأسود. واشتدت الريح تبكي على بطل لم يذهب حتى دافع عن كل شبر في
أرضه.
ومضى ذلك البطل نحو السموات بعد أن أركع العدو عند حدود بلده، وبدمائه الطاهرة سقى عطش التراب. وارتفع نحو الملكوت يشارك الأنبياء والصالحين درجاتهم في الجنان.
..............
قصتي الفائزة في مسابقة القصة القصيرة للكاتبة خولة القزويني لصيف 2010

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق